
. طارق راجل بيعرف الأصول وعرف مين اللي بيحافظ على الشرف ومين اللي بيفرط فيه!”أحمد فقد عقله تماماً، وبصلي بكره شديد ونطق الكلمة اللي مكنش في رجعة بعدها:— “ما دام خربتي عليها.. يبقى ملكيش قعدة معايا في بيت واحد ثانية واحدة.. إنتي طالق يا رشا! طالق بالتلاتة، ومش هتشوفي وشي ولا هتعرفي لعيالك طريق!”الكلمة خرجت من فمه كالقذيفة، سابت صدى بيرن في أركان الشقة والسكوت خيّم فجأة بشكل مرعب.
ملامحه كانت متشنجة، باصصلي بتحدي وكأنه انتصر، مستني مني انهار أو أترجاه على ركبي عشان خاطر الخمس سنين والولاد. لكن في اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود غريب سرى في كل جسمي، والغشاوة اللي كانت على عيني انزاحت تماماً. بصيت له من فوق لتحت بنظرة اشمئزاز قتلت كل ذرة حب قديمة كانت فاضلة له في قلبي:— “كتر خيرك يا أحمد.. ريحتني وخلصتني من بيت ميعرفش ربنا ولا بيحترم حدوده. فاكر إنك بتعاقبني بالطلاق؟ إنت كرمتني ونضفت حياتي منك ومن أهلك.
“قرب مني بغضب ورفع صباعه في وشي بصوت بيهز الحيطان:— “فكري نفسك انتصرتي؟ عيالك مش هتشوفي ضفر واحد فيهم، هتطلعي من هنا بشنطة هدومك على بيت أبوكي، وساعتها خلي شرفك ينفعك وانتي محرومة من ضناكي!”دخل على أوضة الولاد وهو بينادي عليهم عشان يأخذهم عند أمه، لكن وقفت سد قدام الباب، وطلعت تليفوني بهدوء تام وثبات أربكه:— “قسماً بالله لو خطيت خطوة ناحية ولادي، البلاغ اللي هعمله دلوقتي مش هيكون بس تمكين وحضانة، ده هيكون قضية خلط أنساب، وطارق نفسه هيكون أول شاهد مع تسجيلات الرسايل اللي بينكم! تحب نخلي الفضيحة في القسم والمحاكم ولا تخرج برجليك بالمعروف؟”أحمد اتسمر في مكانه، وعيونه وسعت بذهول وخوف لما حس إن الحبل بيضيق حوالين رقبته وإنه خسر كل كروته. تراجع خطوة للوراء، رمى المفاتيح على الترابيزة بغل وقال وهو خارج من الشقة:— “المحاكم بيننا يا رشا.. وهنشوف مين اللي هيكسب في الآخر!”قفل الباب وراه بقوة هزت البيت كله. أول ما اختفى صوته، رجلي خانتني وقعدت على الأرض، أخذت نفس عميق حسيت معاه لأول مرة إني بتنفس هواء نظيف.
دخلت أوضة ولادي، لقيتهم باصينلي بخوف، ح. ضنتهم الاتنين لصّدري بقوة وعيطت، بس مكنش عياط قهر ولا انكسار.. كان عياط راحة ونجاة من مستنقع كان هيدمرني ويدمرهم. مسكت التليفون وكلمت والدي وأنا صلبة وواقفة على أرض ثابتة:— “بابا.. أحمد طلقني رسمي، وأنا والولاد مستنينك تأخذنا.. المعركة خلصت، وحياتي الجديدة بتبدأ دلوقتي.”وصل بابا وأخويا في أقل من نص ساعة، أول ما شافوني وحسوا بالرعب اللي عيشناه، بابا طبطب على كتفي وقال بلهجة حاسمة:— “راسك تفضل مرفوعة يا بنتي، إنتي صُنتي بيتك ودينك وعيالك، واللي يفرط فيكي وفي أصول ربنا هو اللي يخسر وينكسر.
“لمينا كل متعلقاتي أنا والولاد، وأخويا نزل الشنط في العربية. وأنا خارجة من باب الشقة، بصيت ورايا للمكان اللي عشت فيه خمس سنين، مكنش فيه ذرة ندم واحدة، بالعكس، حسيت بعبء جبل اتشال من على كتافي. الأيام اللي بعدها مكنتش هادية، حماتي حاولت تعمل وسايط وتدخل ناس كبار من العيلة بعد ما شافت إن بنتها اتطلقت وخسرت جوزها للأبد، وابنها بيته اتخرب وسمعتهم بقت على كل لسان في المنطقة بعد ما طارق حكى لأهله سبب الطلاق الحقيقي.
كانوا عايزين يلموا الموضوع بأي ثمن ويرجعوني عشان يغطوا على الفضيحة. أحمد اتصل ببابا كذا مرة، وبعت رسايل بيعتذر وبيقول إنه كان مضغوط ومكنش في وعيه وإنه مستعد يكتبلي الشقة باسمي لو رجعت وتنازلت عن موقفي. لكن بابا كان رده واحد وقاطع:— “بنتي مش سلعة تشتروها بفلوسكم، وباب بيتنا اتقفل في وشكم ليوم الدين.. اللي فكر يبيع شرف مراته مرة ملوش أمان يعيش معاها دقيقة.”رفعت قضايا النفقات والتمكين والحضانة، ومخدتش وقت طويل لحد ما القانون نصفني بالكامل؛ أخدت كل حقوقي الشرعية وحضانة ولادي بحكم محكمة، وشهادة طارق ورسايل أحمد كانت السيف اللي قطع أي محاولة منه للمماطلة.
مرت شهور، ورجعت لحياتي بقوة مكنتش أتخيل إنها عندي؛ ركزت في شغلي وتربية ولادي وسط أهلي اللي سندوني ومسابونيش لحظة. أما في الناحية التانية، فكان الجزاء من جنس العمل.. بيت حماتي اتملى نكد ووحدة، بنتها عاشت مطلقة ومكسورة بتندم على اللحظة اللي طمعت فيها في حق مش حقها، وأحمد بقى يدور على نفسه بعد ما خسر مراته وعياله ورجولته في غمضة عين. اتعلمت إن الابتلاء لما بيجي بيكشف حقيقة الناس اللي حوالينا، وإن اللي يتمسك بربنا وبكرامته، ربنا يعوضه راحة بال وأمان ميتعوضوش بأي تمن في الدنيا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



