
“الكلمة نزلت على دماغي زي مية مغلية. رجعت خطوة لورا وأنا باصة له ومبرقة، حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي، والراجل اللي عشت معاه خمس سنين وبحبه وخلفت منه ولدين بقى شخص غريب تماماً معرفوش. قربت منه خطوة واحدة، وصوتي طالع من وسط ذهول ووجع لا يوصف:— “أفكر في مصلحة أختك؟! إنت واعي للكلمة اللي طالعة من لسانك دي يا أحمد؟! إنت بتلومني عشان رفضت أأجر رحمي لجوز أختك؟! إنت متخيل إنت بتطلب إيه ولا أمك دخلت غسلت دماغك ونسيت دينك ورجولتك؟!”ملامح وشه احتدت، وقرب مني بعصبية وصوته علي:— “وطي صوتك ده وإنتي بتكلميني!
وماتدخليش الرجولة والدين في الموضوع! الدكاترة برة بيعملوها عادي، والشرع مش هيعاقب واحدة بتنقذ بيت أخت جوزها من الخراب! دي أختي الوحيدة، لحمي ودمي.. جوزها إداها مهلة شهرين يا إما هيطلقها ويتجوز، مستخسرة فيها خدمة إنسانية؟ هتشيلي البيبي تسع شهور وتاخدي اللي انتي عايزاه، شقة باسمك، دهب، أي قرش تطلبيه!”ضحكت بمرارة ودموعي بتنزل شلال.. ضحكة وجع وقهر قطعت نفسي:— “فلوس؟! بتشتريني بفلوسك عشان أكون حاضنة لعيل مش ابني؟ وكمان عايزني أشيل نطفة راجل غريب جوايا عشان خاطر أختك؟! دي خيانة وخلط أنساب وحرام صريح بإجماع كل الشيوخ! إنت إزاي ترضى لمراتك وأم ولادك كده؟
إزاي هتبص في وشي بعد كده ولا تحط عينك في عيني؟!”أحمد اتنرفز وض. رب بايده على الترابيزة جامد، وصاح في وشي بعينين ماليها القسوة:— “بطلي دراما فارغة وعيشة المظلومين دي! الموضوع هيتم برضاكي أو غصب عنك، هنسافر نعمل العملية برة في أي بلد بتسمح بده وتخلص الحكاية ومحدش يعرف جالحة، وبيت أختي هيتعمر.. ولو صممتي على العند والرفض، متلوميش غير نفسك على اللي هيجرالك.
. ولادك هحرمك منهم، وباب الشقة ده لو خرجتي منه مش هترجعيله تاني أبداً وهتطلقي!”التهديد نزل على صدري خنقني.. حسيت إني محاصرة بين نارين، نار بيتي وولادي اللي هيضيعوا مني، ونار كرامتي وديني وجسدي اللي عايزين ينتهكوه باسم “الواجب العائلي”. بصيت له بصه أخيرة كلها احتقار، ودخلت أوضة ولادي وقفلت الباب بالمفتاح، ح. ضنتهم وأنا بترعش.. وفي اللحظة دي، فهمت إني في معركة وجود، ولازم أتصرف قبل ما يضيع كل حاجة. قضيت الليلة دي حاضنة عيالي والدموع محبوسة في عيني، محستش بنوم ولا دقيقة.. كل ما أغمض عيني، أسمع صوت أحمد وهو بيهددني بحرماني منهم.
الخوف كان هيشل تفكيري، بس غريزة الأمومة والدفاع عن النفس صحت جوايا فجأة؛ الاستسلام أو الضعف دلوقتي معناه إني بسلّم رقبتي ليهم على طبق من دهب. مع أول خيوط الفجر، سمعت صوت باب الشقة بيتقفل.. أحمد نزل شغله. قمت بسرعة من غير ما أضيع ثانية، طلعت شنطة سفر كبيرة، وحطيت فيها هدوم ولادي وشهادات ميلادهم، وبطاقتي، وقسيمة الجواز، ودهبي وكل ورقة تخصني. إيدي كانت بترتعش، بس عقلي كان في قمة تركيزه. مسكت تليفوني واتصلت بوالدي، صوتي كان مبحوح وأنا بقوله:— “بابا.
. أنا محتاجاك، جاية لك حالاً ومعايا الولاد، وفيه مصيبة لازم تقف معايا فيها.”بابا اتخض من نبرتي، وقالي بلهفة:— “تعالي يا بنتي فوراً، بيتك مفتوح لك ومحدش يقدر يمس شعرة منك.”نزلت بالعيال والشنط، ركبت تاكسي وطول الطريق وأنا ببص ورايا كأني بهرب من كابوس. أول ما وصلت بيت أهلي ورميت نفسي في ح. ضن بابا وماما، انف. جرت في العياط وحكيتلهم كل كلمة قالوها.
. من أول طلب حماتي الوقح، لحد تهديد أحمد بالطلاق وحرماني من ولادي والسفر برة عشان ينفذوا الجريمة دي. أبويا وشه احمر وعروق رقبته نفرت من الغضب، ض. رب بإيده على المكتب وقال بصوت يرعد:— “يبيعوا ويشتروا في بنتي؟! عايزين يخلطوا الأنساب ويدنسوا شرفك عشان خاطر بنتهم؟! ده أنا أدفنه حي قبل ما يلمس شعرة منك ولا ياخد عيل من ح. ضنك!”مكملتش ساعة، وبدأ تليفوني يرن بجنون.. أحمد. في الأول ماردتش، بس بابا أخد التليفون وفتح الاسبيكر ورد عليه بكل حزم:”أهلاً يا أحمد يا بني.. كويس إنك اتصلت، عشان تيجي تاخد حاجتك وتسمع كلمتين هما خلاص الكلام بيننا.
“أحمد صوته كان متوتر ومرتبك لما سمع صوت بابا:— “يا عمي.. دي مشاكل بيني وبين مراتي ومكنش له لزوم تكبر كده وتدخل الأهل!”بابا رد عليه بنبرة قطعت كل خطوط الرجعة:— “مخاكل؟! لما تطلب من مراتك تأجر رحمها وتهددها بولادها دي متبقاش مخاكل، دي قلة دين ومروءة! بنتي وعيالها عندي في أمان، وورقة طلاقها توصل هنا بالمعروف وكل حقوقها وولاية عيالها تضمنها بالقانون، يا إما هفضحكم باللي طلبتوه في المحاكم وعلى رؤوس الأشهاد ومش هسيب حق بنتي!”الخط سكت من ناحية أحمد، والهدوء اللي عم فجأة حسسني إني مش لوحدي..
“الخط سكت من ناحية أحمد، والهدوء اللي عم فجأة حسسني إني لست وحدي.. دي كانت أول خطوة في معركتي، وعرفت إن الأيام الجاية مش هتكون سهلة، بس مستحيل أفرط في كرامتي ولا في ولادي مهما كلفني التمن. أحمد قفل السكة في وشي، وبدأت المشاكل تزيد في البيت.. يومياً خلافات، وإهانات، وتضييق في المصاريف، وتهديدات متواصلة إنه هيأخذ الولاد مني ويسافر، وكل ده عشان أتنازل وأقبل بتنفيذ طلبهم لأخته.
البيت بقى جحيم لا يطاق، ولقيت نفسي محاصرة بين نارين، وحسيت إن فيه حلقة مفقودة في اللعبة دي كلها.. معقول طارق، جوز أخته، راجل محترم ومهندس وله وضعه، يقبل بمهزلة زي دي؟ هل هو أصلاً عارف بالموضوع اللي بيخططولها؟قررت أكسر الدايرة وألعب على المكشوف. طلعت تليفوني، دورت على رقم طارق، وأول ما رن ورد بصوته الهادي المعتاد:— “أهلاً يا أم عمر، خير فيه حاجة؟ أحمد كويس؟”أخدت نفس عميق وقلت بصوت واضح وحاسم:— “أحمد كويس يا طارق، بس إحنا مش كويسين.
. أنا بتصل بيك عشان أسألك سؤال واحد ومستنية منك إجابة راجل حر: إنت يرضيك إن مرات أخو مراتك تحمل منك وتنجبوا طفل بهذه الطريقة؟ إنت موافق على اللي حماتي وأحمد بيضغطوا عليا عشانه ومهددين بيتي بالخراب بسببه؟!”السكوت خيم على المكالمة لثواني كانت كأنها دهر.. وفجأة سمعت صوت أنفاسه بتتسارع بذهول تام:— “إنتي بتقولي إيه يا مدام؟! حمل وإنجاب إيه؟! الكلام ده جه منين ومين اللي فكر في الجنون ده أصلاً؟!”حكيتله كل اللي حماتي قالته، وكل الضغط والتهديد بالطلاق اللي أحمد بيعمله معايا عشان ينفذوا المخطط ده. طارق كان صوته بيتحول من الذهول لغضب شديد:— “أنا أعمل كده؟! أنا أدنس شرفي وأخلط أنساب عشان طفل؟! ده ربنا لو ما أردش ليا الذرية راضي وصابر.. يروحوا يخططوا في عرضي واسمي من ورايا بالطريقة الرخيصة دي؟!”طارق قفل السكة وهو في قمة الغضب، وذهب على بيتهم. عرفت بعدها بساعة واحدة إن الدنيا اتقلبت؛
واجه مراته بكل كلمة سمعها، ووسط صراخها ومحاولاتها لتبرير اللي حصل وإنه كان “عشان يحافظوا على بيتهم”، طارق مقدرش يستحمل الإهانة، ورمى عليها يمين الطلاق في نفس اللحظة وطلب منها تلم هدومها وتمشي:— “اللي تفكر تبيع دينها وتدخل نطفة راجل في رحم واحدة تانية عشان تشتري طفل، متلزمنيش ولا تنفع تكون أم لعيالي أصلاً.
. إنتي طالق بالثلاثة!”الخبر نزل على بيت حماتي كالصاعقة.. أحمد رجع البيت ووجهه غاضب، وعينيه تطلق شرار، دخل عليا الأوضة وزق الباب بقدمه، وصرخ في وشي بعصبية وهو بيخبط في الحيطان:— “خربتي بيت أختي؟! اتصلتي بجوزها وفضحتِنا وخليتيه يرمي عليها اليمين ويطلقها؟! أختي ادمرت ورجعتلي مكسورة ومطلقة بسببك يا عقربة!”وقفت قدامه بكل ثبات ومرفوعة الراس:— “أختك هي اللي خربت بيتها بطمعها وتعديها على حدود ربنا، وإنت وأمك السبب في كل اللي حصل.



