روايات وقصص

حكايات ندى الجمل

“وهتعلم أعيش من غير ما أكون زوجة حد.”
وقتها فهمت أخيرًا…
إن سارة مكنتش محتاجة مني فلوس.
ولا شقة.
ولا حتى إني أرجعلها.
كانت محتاجة حاجة واحدة بس…
إنها تستعيد نفسها.
خرجت من عندها.
وأنا لأول مرة في حياتي مش عارف أنا خسرت مين بالضبط…
مراتي الأولى؟
ولا ابني اللي مات؟
ولا الست اللي كانت بتحبني؟
ولا نفسي القديمة؟
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن بعد أيام قليلة، وأنا بجهز أوراق الطلاق، وصلتني رسالة من رقم غريب.
رسالة قصيرة جدًا:
“لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن حمل سارة… تعالى للمستشفى اللي كانت بتتابع فيه.”
وتحت الرسالة…
كان مكتوب اسم الدكتور.
الدكتور اللي قال إن المشكلة كلها من سارة من ست سنين.
والدكتور نفسه…
اللي كان بيتابع حملها قبل ما تخسره.

الجزء الثالث والأخير
فضلت أبص للرسالة يمكن خمس دقايق.
اسم الدكتور قدامي.
نفس الدكتور اللي تابعنا من أول الجواز.
نفس الدكتور اللي قال إن المشكلة كلها من سارة.
ونفس الدكتور اللي بعدها بسنين قال لها إن حملها انتهى.
حسيت إن فيه حاجة غلط.
اتصلت بالرقم.
رد راجل وقال:
“أستاذ كريم؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“أنا دكتور سامح.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“لازم تيجي المستشفى.”
قلت:
“فيه إيه؟”
رد:
“مش هينفع أقولك في التليفون.”
قفلت وأنا متوتر.
تاني يوم الصبح روحت.
دخلت مكتبه، لقيته قاعد ووشه متغير.
أول ما شافني قال:
“أنا عارف إن اللي هقولهولك ممكن يدمر حياتك.”
قلت:
“قول.”
فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم.
وحطه قدامي.
وقال:
“الملف ده من ست سنين.”
فتحته.
كانت فيه تحاليل سارة.
قلبت الصفحات.
وبعدين لقيت حاجة غريبة.
بصيت له وقلت:
“التحاليل دي مش زي اللي كانت معانا.”
قال:
“لأن دي النسخة الأصلية.”
قلت:
“يعني إيه؟”
قال:
“التحاليل الأصلية كانت بتقول إن حالة سارة بسيطة جدًا.”
“لكن التحليل الخاص بيك كان محتاج متابعة وعلاج.”
سكت.
قلت:
“طب ليه اتقال لنا العكس؟”
الدكتور سامح أخد نفس طويل وقال:
“لأن الدكتور اللي كان بيتابعكم وقتها عمل خطأ مهني كبير.”
قلت:
“خطأ؟”
قال:
“أنا مش هقدر أتهم حد من غير دليل.”
“لكن فيه حاجة مؤكدة…”
“النتائج اللي اتقدمت لك وقتها مش هي النتائج الأصلية.”
حسيت بدوخة.
قلت:
“يعني أنا ضيعت ست سنين من حياتي بسبب نتيجة غلط؟”
قال:
“أنا آسف.”
قعدت على الكرسي.
افتكرت كل مرة سارة كانت بتعيط بعد عملية.
كل مرة كانت تقول:
“يمكن المرة دي ربنا يكرمنا.”
وكل مرة كنت أرجع أقول لها:
“إنتِ اللي عندك المشكلة.”
أنا اللي كنت فاكر إني الضحية…
طلعت أنا اللي ظلمتها.
لكن كان لسه عندي سؤال.
قلت:
“طب والحمل؟”
الدكتور سكت.
وبعدين قال:
“الحمل كان سليم.”
قلت:
“سارة قالت إن حصل خطأ في العلاج.”
هز راسه.
وقال:
“ده صحيح.”
“لكن مش كل الحقيقة.”
قلبي دق بسرعة.
قلت:
“يعني إيه؟”
فتح ملف تاني.
وقال:
“بعد ما حصل النزيف، سارة اتنقلت للمستشفى.”
“وكان الحمل لسه موجود.”
“وكان فيه نبض.”
بصيت له وأنا مش قادر أتكلم.
قال:
“لكن أثناء إجراءات النقل حصلت مشكلة.”
قلت:
“مشكلة إيه؟”
قال:
“كان لازم تدخل عملية بسرعة.”
“لكن التأخير حصل.”
سألته:
“ليه؟”
بصلي في عيني وقال:
“لأن ملفها كان مكتوب عليه إنها… مش متابعة بانتظام.”
قلت:
“وده معناه إيه؟”
قال:
“معناه إن المستشفى ما تعاملتش مع الحالة على إنها حالة طارئة بالشكل المطلوب.”
سكت.
وبعدين قال:
“سارة فقدت الحمل بعدها.”
غمضت عيني.
حسيت إن كل حاجة اتكسرت جوايا.
قلت:
“هل كانت تقدر تنقذه؟”
قال:
“صعب نعرف.”
“لكن كان فيه احتمال.”
خرجت من عند الدكتور وأنا حاسس إني إنسان تاني.
ركبت عربيتي.
ومسكت التليفون.
اتصلت بسارة.
ردت بعد شوية.
قلت:
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
سكتت.
قلت:
“كنتِ عارفة إن الحمل كان لسه فيه نبض؟”
قالت بصوت مكسور:
“آه.”
قلت:
“ليه مخبيتيش عليا؟”
قالت:
“كنت في المستشفى لوحدي.”
“وأنت كنت مع نهى.”
“وأنا وقتها قلت لنفسي إنك لو عرفت، هتيجي.”
سكتت.
قالت:
“بس بعدين قلت لنفسي…”
“لو جيت، هتعمل إيه؟”
“هتسيب مراتك الحامل وتيجي عندي؟”
“هتفضل محتار بين بيتين؟”
“وأنا كنت خلاص تعبت من إني أكون الاختيار التاني.”
الكلمة دي وجعتني.
قلت:
“أنا آسف.”
قالت:
“أنا مش زعلانة إنك اتجوزت.”
“أنا زعلانة إنك لما لقيت الأمل في بيت تاني، اعتبرت إن بيتي انتهى.”
سكت.
وبعدين قالت:
“خلص إجراءات الطلاق.”
“أنا مستعدة.”
قفلت المكالمة.
وفعلًا…
بعد أيام، تم الطلاق.
وأديتها كل حقوقها.
وأنا لأول مرة حسيت إن الطلاق مش انتصار لأي حد.
كان اعتراف إننا فشلنا في الحفاظ على حاجة كانت يومًا غالية علينا.
عدت الأيام.
رجعت أركز في نهى وحملها.
لكن المرة دي كنت مختلف.
مبقتش شايف إن الطفل هو الحل لكل مشاكل حياتي.
فهمت إن الأسرة مش مجرد طفل.
وإن الزوجة مش مجرد وسيلة للإنجاب.
وإن الإنسان اللي وقف جنبك ست سنين، مينفعش تتحول ذكرياته كلها لمجرد “مشكلة تأخير حمل”.
بعد فترة…
نهى ولدت.
وأول ما شلت ابني بين إيديا، عيطت.
بس المرة دي دموعي كانت مختلفة.
كنت فرحان.
وحزين.
ممتن.
ونادم.
كل المشاعر كانت متداخلة.
وبعد ما خرجت من المستشفى، أول شخص فكرت فيه كانت سارة.
مش علشان أرجعها.
ولا علشان أطلب منها تسامحني.
لكن علشان أقول لها:
“ابننا كان هيبقى له اسم إيه؟”
لكنني ما اتصلتش.
لأني عرفت إن فيه جروح…
حتى لو اتقفلت…
مينفعش تفضل تفتحها كل يوم.
بعد سنة تقريبًا، كنت في مكان عام.
وفجأة شفت سارة.
كانت لابسة هدوم بسيطة، وشكلها مختلف.
كانت بتتكلم مع بنت صغيرة.
قربت منها.
ولما شافتني، ابتسمت.
قلت:
“إزيك؟”
قالت:
“الحمد لله.”
سألتها:
“دي بنتك؟”
ضحكت وقالت:
“لا، دي بنت أختي.”
بصيت لها.
كانت سعيدة.
وأنا لأول مرة حسيت براحة.
لأنها أخيرًا كانت بتعيش حياتها.
قلت:
“أنا أتمنى تكوني سامحتيني.”
قالت:
“سامحتك من زمان.”
استغربت.
قالت:
“بس السماح مش معناه إني نسيت.”
“ولا معناه إن اللي حصل كان عادي.”
“السماح معناه إني مش هفضل أحمل الوجع معايا لباقي عمري.”
هزيت راسي.
وقبل ما أمشي، قالت:
“خلي بالك من ابنك.”
قلت:
“هعمل كده.”
قالت:
“ومتعملش معاه نفس الغلطة اللي عملتها معايا.”
سألتها:
“إيه الغلطة؟”
قالت:
“إنك تخلي حلم واحد يخليك تنسى قيمة الحاجات اللي في إيدك.”
ومشيت.
وقفت أبص لها وهي بتبعد.
وساعتها فهمت إن سارة كانت عندها حق في حاجة واحدة…
أنا فعلًا كنت صاحب بالين.
لكن المشكلة إني فهمت معنى الجملة متأخر.
كنت فاكر إن امتلاك بيتين معناه إن عندي أسرة أكبر.
لكن الحقيقة إنك ممكن يكون عندك بيتين…
وتخسر الاتنين لو نسيت إن كل بيت فيه قلوب ومشاعر وناس بتتوجع.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف ابني نايم جنب أمه، أشكر ربنا عليه.
لكن عمري ما نسيت سارة.
ولا الطفل اللي كان ممكن يبقى ابني الأول…
ولا الست اللي وافقت تسيب بيتها عشاني، وفي النهاية اضطرت تتعلم تعيش من غيري.
وأصعب درس اتعلمته في حياتي كان بسيط جدًا:
مش كل حاجة من حقك…
لازم تعملها.
ومش كل حاجة تقدر تاخدها…
تقدر تتحمل ثمنها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى