
حسيت صدري ضاق.
— وهي؟
— حالتها مستقرة.
أول ما سمعت الكلمة دي…
نفسي رجع شوية.
مش كامل.
بس كفاية إني أقدر أتحرك.
ممرضة خدتني لممر طويل.
ريحة المطهرات.
أصوات الأجهزة.
أبواب بتتفتح وتتقفل.
ناس بتجري.
وأنا ماشي في النص، حاسس إن كل خطوة بتقربني من حياة كنت فاكر إنها انتهت.
وصلت عند غرفة صغيرة.
دكتور في أواخر الأربعينات كان واقف بيقلب في ملف.
أول ما شافني قال:
— حضرتك والد الطفل؟
قلت:
— أيوه.
مد إيده.
— أنا الدكتور المسؤول عن الحالة.
قعدت قدامه.
قال:
— الطفل اتولد قبل معاده، وزنه قليل، وبيحتاج دعم في التنفس ومتابعة مستمرة.
قلت بسرعة:
— هو في خطر؟
سكت ثواني قليلة.
والثواني دي كانوا أطول من الست شهور اللي فاتوا كلهم.
قال:
— إحنا بنتعامل مع ولادة مبكرة، وفيه مخاطر أكيد، لكن استجابته كويسة لحد دلوقتي.
بلعت ريقي.
قلت:
— أقدر أشوفه؟
— بعد شوية.
وبعدين بص في الملف.
— الأم كانت تحت ضغط كبير في الشهور الأخيرة.
قلبي اتشد.
— ضغط إيه؟
بصلي.
— واضح إن حضرتك ماكنتش متابع الحمل.
الكلمة وجعتني.
قلت:
— أنا ماكنتش أعرف إنها حامل.
الدكتور سكت.
بصلي شوية.
وبعدين قفل الملف.
قال:
— هي كانت فاكرة إنك عارف.
اتجمدت.
— إيه؟
— على حسب اللي اتقالنا، هي حاولت تتواصل معاك أكتر من مرة.
حسيت بكلمة “أكتر من مرة” وهي بتخبط جوه صدري.
قلت:
— حاولت.
الدكتور قال:
— هي فضلت فترة مقتنعة إنك رافض تتدخل.
غمضت عيني ثانية.
يبقى مش بس أنا كنت فاكر إنها سابتني.
هي كمان كانت مقتنعة إني عرفت بابني…
واخترت أتجاهله.
قلت:
— ممكن أشوفها؟
الدكتور قال:
— ممكن. بس حالتها الجسدية والنفسية تعبانة، حاول تخلي الكلام هادي.
وقفت.
— فين أوضتها؟
مشي معايا لحد الباب.
قبل ما يفتح، قال:
— فيه حاجة أخيرة.
بصيتله.
— هي طلبت مننا ما نكلمكش في الأول.
قلبي وقع.
قلت:
— ليه؟
— لأنها قالت إنك رفضت تكون جزء من حياة الطفل.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
ماكانش فيها أي فرحة.
قلت:
— مين قالها كده؟
الدكتور هز كتفه.
— دي حاجة بينها وبينك.
فتح الباب.
دخلت.
وأول ما شوفتها…
وقفت مكاني.
كانت نايمة على السرير.
وشها شاحب.
شعرها مربوط بطريقة عشوائية.
إيديها فيها محاليل.
وملامحها…
أهدى وأتعب مما كنت فاكرها.
كانت باصة للشباك.
سمعت الباب.
لفت.
وأول ما شافتني…
اتجمدت.
عينيها اتسعت.
شفايفها اتحركت.
لكن ماطلعش صوت.
فضلنا نبص لبعض.
6 شهور.
6 شهور من السكوت.
الزعل.
الغضب.
الحكايات اللي كل واحد فينا صدقها لوحده.
وأنا…
ماكنتش عارف أبدأ بأي كلمة.
هي اللي بدأت.
قالت بصوت ضعيف:
— إنت جيت ليه؟
الجملة قطعتني.
قلت:
— الدكتور كلمني.
عينيها اتحركت بسرعة ناحية الباب.
وبعدين رجعتلي.
— مين اداله رقمك؟
قلت:
— مش عارف.
سكتت.
وشها قفل.
— ماكانش لازم يكلّمك.
قربت خطوة.
— ليه؟
قالت:
— عشان إنت اخترت من زمان إنك مش عايز تعرف.
قلت فورًا:
— لأ.
نظرتها اتغيرت.
— لأ إيه؟
قلت:
— أنا ماكنتش أعرف.
ضحكت بمرارة.
ماكنتش تعرف إني حامل؟
— أيوه.
— بلاش.
— والله ما كنت أعرف.
رفعت إيدي ناحية الموبايل.
— إنتي كلمتيني 6 مرات.
سكتت.
قلت:
— بعتّي 3 رسائل صوتية.
بدأت ملامحها تتغير.
— ورسالة مكتوبة.
شفايفها اترعشت.
قالت:
— وصلولك؟
قلت:
— لأ.
سكتت.
عينيها اتملت دموع.
قالت:
— طب إنت بتقول إيه؟
قعدت على الكرسي جنب السرير.
— أنا لقيتهم النهارده.
— بعد 6 شهور؟
— لأن حد كان عامل حظر لرقمك.
بصتلي بصدمة.
قلت:
— وحد مسح الرسائل.
هزت راسها ببطء.
— مستحيل.
— ده اللي حصل.
قالت:
— أنا فضلت أتصل.
— عارف.
— وكل مرة كانت المكالمة تقفل.
— عارف.
— وبعدين بعتلك رسالة إني حامل.
قلبي وقف.
قلت:
— رسالة إيه؟
هي سكتت.
أنا قربت.
— إنتي بعتيلي إنك حامل؟
قالت:
— أكتر من مرة.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
— الرسالة دي مش موجودة عندي.
قالت:
— أنا بعتلك صورة التحليل.
نزلت عيني.
ولا رسالة.
ولا صورة.
ولا أي حاجة.
قالت وهي صوتها بيتكسر:
— وبعتلك صورة أول سونار.
رفعت عيني ناحيتها.
— ماوصلتش.
— وبعدها اتصلت بيا ست.
اتجمدت.
— ست؟
قالت:
— قالت إنها من مكتبك.
— مين؟
هزت راسها.
— ماقالتش اسمها.
— قالتلك إيه؟
طليقتي بصتلي.
والدموع بدأت تنزل.
قالت:
— قالتلي إنك شفت كل الرسائل.
حسيت دمي برد.
— وإيه كمان؟
— قالتلي إنك مش عايز الطفل.
سكت.
مقدرتش أرد.
هي كملت:
— قالتلي إنك قلت إن الطلاق كفاية… وإنك مش عايز أي ارتباط جديد بيا.
قبضت إيدي.
قلت:
— أنا عمري ما قلت الكلام ده.
— أنا صدقتها.
قالتها بصوت مكسور.
— ليه ما اتصلتيش بمكتبي بنفسك؟
ضحكت بوجع.
— اتصلت.
— وبعدين؟
— السكرتيرة قالت إن فيه تعليمات إن أي مكالمة مني ما تتحولش ليك.
اتجمدت أكتر.
— مين السكرتيرة؟
قالت الاسم.
الاسم وقع في دماغي زي ضربة.
مش لأن السكرتيرة غريبة.
العكس.
لأنها كانت واحدة من أقدم الموظفين عندي.
ومن أكتر الناس اللي بثق فيهم.
لكنها عمرها ما كانت عندها صلاحية تدخل على حساب الموبايل من البيت.
يعني فيه أكتر من شخص؟
ولا كانت بتنفذ تعليمات حد تاني؟
قلت:
— إنتي ليه سبتِ البيت أصلًا؟
ملامحها اتشدت.
قالت:
— إنت اللي طلبت مني أمشي.
قلت فورًا:
— أنا ما طلبتش.
قالت بعصبية:
— بلاش تغير الحقيقة دلوقتي.
— أنا قلتلك “يمكن تبقي أسعد من غيري”. ما قلتلكيش امشي.
هزت راسها.
— تاني يوم الصبح لقيت رسالة منك.
قلبي دق.
— رسالة إيه؟
قالت:
— “خدي وقتك بعيد عن البيت. يمكن ده أحسن لينا.”
سكت.
قلت:
— أنا ما بعتش الرسالة دي.
بصتلي.
— كانت من رقمك.
— وريني.
مدت إيدها ناحية موبايلها الموجود على الترابيزة.
فتحته بصعوبة.
دخلت على المحادثة.
مدتهولي.
بصيت.
الرسالة موجودة فعلًا.
من رقمي.
بتاريخ اليوم اللي بعد خناقتنا.
“خدي وقتك بعيد عن البيت. يمكن ده أحسن لينا.”
تحتها رسالة تانية:
“أنا محتاج أفكر لوحدي.”
ورسالة تالتة بعد يومين:
“لو شايفة إن الطلاق أفضل، أنا مش هقف في طريقك.”
إيدي بردت.
قلت:
— أنا ماكتبتش ولا كلمة من دول.
بصتلي بنظرة فيها خوف.



