
مديت إيدي بالراحة، ومسكت إيد نعمة وهزيتها عشان تقوم:
«قومي يا نعمة.. قومي يختي ما تصغرنيش قدام جوزي وأهلك. أنا مش شامتة فيكي، ولا يفرحني إن بيتك يتخرب أو تتدوقي من نفس الكأس اللي شربت منه.»
نعمة رفعت رأسها بذهول، دموعها كانت مغرقة وشها، وقالت بصوت بيترعش:
«بعد كل اللي عملته فيكي يا هدى؟ بعد ما حرضت حسن عليكي وعايرتك بقلة أهلك؟ بتمديلي إيدك وتناديني يختي؟!»
ابتسمت بكسرة وصدر واسع وقلت لها:
«ربنا هو اللي بياخد الحقوق يا نعمة، وأنا سلمت أمري لربنا من أول يوم دخلت فيه البيت ده. يتيمة أه.. بس ربنا هو اللي كان أهلي وسندي. وأنتِ غلطتي في حق نفسك قبل ما تغلطي في حقي، خربتي بيتك بإيدك عشان غل وعتَب مالهمش لزمة. بس أنا مسامحاكي.. مسامحاكي لله ثم عشان خاطر حسن وصالح.»
حماتي قربت مني بخطوات سريعة، ونزلت على ركبتها هي كمان، أخدت إيدي بين إيديها الاثنين وبستها وهي بتبكي بحرقة وتقول:
«سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا هدى.. أنا اللي عميت عين بنتي وسخنتها، أنا اللي كنت فاكرة إن قسوتي عليكي هي اللي هتضمن لي ابني. اكتشفت إنك أنتِ اللي صنتي ابني وعرضه وحفظتيه في غيابه ورعيتيه، وأنا اللي كنت هخرب بيته بإيدي. أنتِ مش يتيمة يا هدى.. أنتِ بنتي الكبيرة، وحقك عليّ وعلى راسي ليوم الدين!»
حسن في اللحظة دي، نزلت دمعة صامتة من عينه. قرب مننا، مسك إيد أمه وإيد أخته وقفهم على رجليهم، وبص لأمه وقال بصوت هادي مليان حسم ورجولة:
«أمي.. أنتِ فوق راسي ودعائك هو اللي ممشيني في الدنيا، بس زي ما قلت لك، بيتي له حرمة. هدى صانتني واستحملت اللي ما يتحملوش بشر، والنهاردة أثبتت إنها أعظم وأكبر من أي إساءة اتوجهت لها. نعمة هتفضل في شقتك تعززيها وتكرميها، وبكره الصبح أنا والحاج متولي هنروح لحسام جوزها، وقسمًا بالله لو ليه حق هنرجعهوله، ولو افترى عليها هنجيب حقها منه بالشرع والأصول، عشان هي بنت ناس وليها رجالة يتشد بيهم الظهر.»
نعمة اترمت في حضن حسن وهي بتبكي وتقول:
«سامحني يا حسن.. سامحني يا خويا، أنا عرفت قيمتك وقيمة مراتك الأصيلة النهاردة.»
مرت الأيام والأسابيع، والحاج متولي وحسن قدروا بفضل ربنا والأصول يحلوا المشكلة بين نعمة وجوزها. حسام لما شاف موقف حسن وشاف إن العيلة أصلحت من نفسها وإن نعمة عرفت غلطها واعترفت بيه، وافق يرجعها بكرامتها وبشروط جديدة، أهمها إن محدش يتدخل في حياة حد، وإن البيت يتقفل على أسراره.
والبيت عندنا اتغير تماماً.. النور الأصفر المسهوك اللي كان بينور الصالة بتوهان وخوف، بقى ينور بدفا وراحة بال. حماتي بقت تنزل عندي كل يوم الصبح، تطبخ معايا، وتشيل صالح، وتدعي لي دعوات من قلبها تفتح الأبواب المقفولة. ونعمة ووفاء بقوا يجوا زي الضيوف المحترمين، بيعاملوني بأدب وإجلال، وكأني أختهم الكبيرة بجد.
وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة بالليل، وحسن قاعد جنبي شايل “صالح” وبيطعمه بالمعلقة زي ما كان بيأكلني وأنا تعبانة. بصلي وابتسم وقال:
«شايفة يا هدى؟ اللي يصبر على الابتلاء ويتمسك بالأصول، ربنا بيكرمه إزاي؟»
بصيت له ولابني وللحياة اللي ربنا كتبهالي بعد المرار، وقلت له بثقة:
«الحمد لله يا حسن.. أنا عرفت إن اليتيم مش اللي ملوش أب وأم.. اليتيم هو اللي ملوش أصل ولا دين ولا جرح يلم بيه الناس.»
الحكمة من القصة:
* الظلم ظلمات والعاقبة أخلاق: الظلم دين مردود في الدنيا قبل الآخرة. من سعى في خراب بيوت الآخرين، كان أول من يكتوي بنار الخراب في بيته.
* اليتيم ليس من فقد والديه: اليتيم الحقيقي هو من خلت أخلاقه من المروءة والأصل. من كان الله معه، وجد العزوة والسند في أحلك الظروف ومن حيث لا يحتسب.
* الرجولة حماية وسند: الرجولة ليست بالتسلط أو اتباع كلام الأهل في الباطل، بل بالوقوف كالسد المنيع لحماية الزوجة وصون كرامتها، مع الحفاظ على بر الوالدين وأصول الصلة.
* العفو عند المقدرة يكسر شوكة الغل: التسامح والأصل الطيب يرد الإساءة إحساناً، ويح Respect ويجبر القلوب القاسية على الانحناء والخجل أمام نبل الأخلاق.




