
أحمد صرخ بعلو صوته، وسمعت صوت ضرب الشوم في بعضه، كركبة ترابيزات بتتقلب، وازاز بيتكسر. أحمد كان بيحارب لوحده في الضلمة ضد تلات رجالة وسطهما أمه وأخته!
صوت سمر كان قريب جداً من باب الأوضة اللي أنا محبوسة فيها:
— افتحي يا روضة! افتحي بدل ما نكسر الباب فوق دماغك ونطلع الدهب والفيزا من عينيكي!
وفجأة… صوت ضربة شوم ثقيلة جيلت في الصالة، وبعدها صوت أحمد وهو بيئن بوجع مكتوم وبيقع على الأرض!
قلبي سقط في رجلي. صرخت بكل صوتي:
— أااااأحمد!!
صوت الحاجة سناء نطق ببرود يرعب:
— شيلوه واكتفوه بالرباط! وإنتي يا سمر هاتي العتلة واكسري باب الأوضة دي!
الباب الخشب بتاع الأوضة أكل ضربتين حديد، والقفل اتقطم في ثواني. الباب اتفتح، وشفت الحاجة سناء واقفة ورا سمر، وفي إيد سمر عتلة حديد، ووراهم في الصالة طيف أحمد مرمي على الأرض، كتفه بينزف ورجلين اثنين بلطجية ماسكينه وربطوا إيده بوهي.
الحاجة سناء قربت مني بخطوات بطيئة، عينها كانت زايغة وفيها غل ملوش حدود. مسكتني من شعري بقوة رفعت رأسي لفوق وقالتلي بصوت واطي وزي الفحيح:
— فاكرة إن ابن ينسى أمه عشان شوية دهب وفلوس يا روضة؟ فاكرة إنك كسبتي؟ بكرة الصبح هتروحي مع الأستاذ ناصر المحامي بتاعي، وتهوبي على البنك وتحولي كل مليم في حسابك لحسابي… والدهب اللي في العلبة هتاخديه بإيدك وتديه لسمر عشان تفرج عن جوزها!
أحمد كان بيحاول يقوم على الأرض وهو بينزف من جبهته، صرخ وهو بيحشرج:
— أوعي تعملي كده يا روضة… لو عملتي كده مش هسامحك ليوم الدين! أوعي تتديهم مليم!
واحدا من البلطجية ضرب أحمد برجله في بطنه عشان يسكت. أنا ما استحملتش المشهد، الدموع كانت مغرقة وشي وقلت وأنا ببكي بانهيار:
— حاضر! حاضر هديكم كل حاجة! هديكم الفلوس والدهب بس سيبوا أحمد! هعملكم اللي انتو عايزينه!
الحاجة سناء ابتسمت ابتسامة نصر مرعبة، وسابت شعري وقالت لسمر:
— هاتي العلبة من الدرج يا سمر… خدي الدهب، والفيزا والأوراق نآخدهم دلوقتي، وبكرة الصبح الساعة تسعة نكون قدام البنك.
سمر جرت على التسريحة، فتحت الدرج وسحبت علبة القطيفة، فتحتها وشافت الدهب بيلمع، ضحكت بحسرة وفرحة وقالت:
— الدهب أهو يا ماما… دهب ستك الميتة اللي أحمد باع المزرعة عشانه!
في اللحظة دي بالضبط… الشارع تحت اتملى بصوت سرينات عربيات الشرطة!
الأضواء الحمراء والزرقاء بتاعت سرينة النجدة عكست على حيطان الأوضة من الشباك، وصوت مكبر الصوت نزل زي الصاعقة في الشارع:
— قوة النجدة تفرِض حصار على العمارة! أيا كان مين فوق، حطوا السلاح وانزلوا بأيديكم مرفوعة! العمارة محاصرة!
البلطجية اللي في الصالة اتخضوا، واحد منهم رمى الشومة وقال برعب:
— البوليس تحت! انتو قلتوا دي خناقة عيلة ومش هيتدخل حد! إحنا ملناش دعوة بالتلبس ده!
جروا على السلم يحاولوا يهربوا من باب السطوح، بس صوت الخبط والجري بتاع أفراد الشرطة كان طالع على السلم بسرعة رهيبة.
سمر وقفت في نص الأوضة زي الفراخ المذبوحة، العلبة القطيفة في إيدها بترتعش. الحاجة سناء وشها جاب ألوان وشفايفها جفت تماماً.
البوليس اقتحم الشقة في ثواني، الضابط دخل بسلاحه ومعه أربعة عساكر. شافوا المنظر: أحمد مربوط وينزف على الأرض، الصالة متكسرة، الباب مخلوع، وأنا منهارة في الأوضة، وسمر والحاجة سناء ماسكين العتلة والدهب!
الضابط بص للمشهد ورفع حواجبة وقال بصوت حاسم:
— إيه المهزلة دي؟! هاتوا الكل هنا! قبض على الستات دول قبل البلطجية! دي جريمة اقتحام مسكن، وسطو مسلح، وتعدي وإحداث عاهة!
أحمد رفع رأسه بالعافية وهو بينزف، بص لأمه اللي كانت واقفة زي الليمونة المظلومة، وقال للضابط بصوت ثابت رغم الوجع:
— الستات دول يا باشا… هما اللي خططوا للاقتحام والسرقة. وأنا بطلب تحرير محضر رسمي باقتحام منزل، وسرقة بالإكراه، وشروع في قتل!
الحاجة سناء صرخت بصوت هيستيري وهي بتبص لأحمد:
— أنا أمك يا أحمد! هتسجن أمك وأختك عشان خاطر دي؟!
أحمد بص لها بعيون فارغة تماماً من أي شفقة، ونطق بأقسى جملة قالتها شفافه من يوم ما اتولد:
— اللي يقتحم بيتي في الضلمة، ويسرق مراتي، ويربطني وينزفني في بيتي… ميبقاش أمي. انتو من النهاردة خصومي قدام القانون.
العساكر كلبشوا سمر وهي بتصرخ وتلطم، وسحبوا الحاجة سناء اللي كانت بتترعش ومش قادرة تمشي على رجليها، والعلبة القطيفة وقعت من إيد سمر على الأرض، اتفتحت، والدهب اتنثر في نص الصالة.
أنا جريت على أحمد، فكيت الرباط من إيده، وحضنته وأنا ببكي. أحمد مسك وشي بإيده اللي فيها دم، وبص للدهب المرمي على الأرض وقال بصوت مكسور:
— الدهب نزل على الأرض يا روضة… بس كرامتك وكرامة أمك الله يرحمها مش هتنزل أبداً.
الضابط طلب الإسعاف لأحمد، وأخدهم كلهم في بكس الشرطة. بس وأنا واقفة في الصالة المتكسرة بلم الدهب حتة حتة من الأرض، كنت عارفة إن القضية دي مش هتنتهي في التخشيبة… لأن أهل مدحت والعيلة مش هيسكتوا على حبس الحاجة سناء وسمر، والرد المرة دي مش هيكون بالقانون.



