
– “منورين يا عرسان!.. ارفعوا وشكم وشوفوا قلة أصلكم وفجركم مكتوب ومصوَّر إزاي!”
رمى أبويا التليفون في وش أبو عبير وإخواتها… وهنا كانت البداية، بداية الحرب!
أبو عبير مسك التليفون وإيده بترتعش، وعينيه بتتأنقل بين السطور والرسائل.. الصمت في الصالة كان يخنق. إخوات عبير الكبار قربوا من أبوهم وشرعوا يبصوا في الشاشة، وفجأة وشوشهم اتغيرت لقطعة من الفحم، والدم هرب من عروقهم.
أبو عبير بص لبنته بنظرة كسرة وقرف، وهز رأسه وهو مش مصدق:
– “دي تربيتي ليكي يا عبير؟ أخو جوزك؟ وجوزك لسه في عدته ما كملش شهرين تحت التراب؟ كدة تطعني ابن عمك وسندك في ظهره وهو ميت؟”
عبير وشها اتخطف، والمسكنة طارت في ثانية لما شافت الدليل قدام أهلها. بس الغل اللي في قلبها كان أكبر من الخجل، وقفت وبصتلي بعينين مليانة سم وقالت بصوت متبجح:
– “أيوا! عملت كدة! وبنتك هي السبب! بنتك استخسرت فيا القرشين لما جيت أطلبهم منها، وقالتلي جوزي وكرامتي! أهو جوزها اللي كانت خايفة على زعله جه تحت رجلي، وهو اللي طلبني وهو اللي قالي هجيبك ضرة ليها وكسرة لعينها!”
في اللحظة دي، عصام جوزي وقف في نص الصالة، وشه رايح جاي من الخوف والارتباك. حاول يلعب دور المظلوم ويبعد التهمة عن نفسه، وقال وهو بيبص لأبويا وبيعلي صوته:
– “يا حاج افهمني.. هي اللي كانت بتتصل وتتحدث، هي اللي استغلت إني راجل البيت بعد سيد الله يرحمه وكانت بتسحبني للكلام! أنا ما كانش قصدي، أنا كنت بمشي معاها عشان أعرف أخرها إيه!”
أبويا ما أداهوش فرصة يكمل.. في ثانية واحدة كان كف أبويا نازل على وش عصام بصوت هز الشقة كلها. أبويا جابه من ياقة قميصه وقال بصوت طالع من قاع الصدر:
– “بتتسحب يا ندل؟ بتجيب داغك مع مرات أخوك المتوفي اللي لسه جثته ما دفتش؟ دا أنت أكلت في بيتي وشربت، وبنتي صانتك ورضيت بفقرك وعيشتك المقشفة! تقوم تبيعها مع عقربة عشان تكسرها؟”
إخوات عبير ما تحملوش الفضيحة ولا قلة الأصل اللي شافوها في الشات، واحد منهم هجم على عصام وضربه ببوكس في وشه جابه الأرض، والثاني مسك عبير من شعرها وطرحها في الأرض وهو بيصرخ فيها:
– “يا خسارة التربية! يا خسارة اسم العيلة اللي وسختيه في الطين! بتخوني جوزك وهو في قبره؟ بتفكري في المأذون والعدة لسه ما خلصتش؟”
الصالة تحولت لساحة حرب.. صوت الصراخ والضرب المتبادل بين أهل عبير وعصام ملا المكان. عصام كان بيحاول يهرب من تحت إيدين إخواتها وهو بتضرب، وعبير كانت بتصرخ وتسب وتلعن فيا وفي أبويا وهي محبوسة تحت إيد أخوها الكبير.
أنا كنت واقفة بعيد، ماسكة في الحيطة وببص للمشهد بدموع جافة.. قلبي كان بيتخلع على أخويا سيد اللي اندفن تحت التراب وما لحقش يتهنى في دنيته، وعلى الراجل اللي أمنته على نفسي ورضيت بيه وقالي هصونك، فكان أول سهم اتطرق في ظهري منه هو.
أبويا زعق بصوت هز الأركان ودب بعصايته في الأرض:
– “بس! بس أنتم وهو! الصالة دي مش ملتقى للحيوانات.. القعدة دي قعدة حق، والحساب لسه ما خلصش!”
الكل سكت، وعصام قعد على الأرض وشايل دمه في إيده، وعبير مسحوبة من شعرها وقاعدة جنب أبوها اللي كان حاطط إيده على وشه ودموعه نازلة من الكسرة.
أبويا بص لعصام وقال بنبرة حسم لا فيها رجعة ولا كلام:
– “أنت يا عصام.. ورقة بنتي توصلها الصبح بدري، مؤخرها ونفقتها وكل مليم ليها عندك يندفع بالقانون، وتخرج من حياتنا كأنك ما كنتش، والشنطة اللي في إيدك دي تحط فيها كل حاجة تخص بنتي وتطلع برة بيتي فوراً!”
عصام بص لأبويا وقال وهو بيحاول يستعطفه:
– “يا حاج.. أنت بتخرب بيتي؟ أدينا فرصة نتكلم!”
أبويا رد عليه بصوت زي الحديد:
– “بيتك اتخرب يوم ما فكرت في مرات أخوها! اطلع برة قبل ما أخلي الشباب دول يدفنوك مكانك!”
وبعد ما عصام انطرد برة الشقة كالمكلوب، أبويا اتلفت لأبو عبير وإخواتها وقالهم:
– “أما أنت يا حاج.. فبنتك دي ما تتبقاش في بيت ابني سيد الله يرحمه دقيقة واحدة! حقوق ابني وأشياءه تسلموها بالكامل، والبنت دي تتلم في بيت أبوها ومطرح ما تقعد ما تشوفش الشارع لحد ما عدتها تخلص، وبعدها تتطلق من اسم ابني المتوفي بالقانون والشرع، وتغوروا من وشنا كلكم!”
أبو عبير قام وهو منحني الضهر، مسك إيد بنته بغل وجرها وراه وهي بتبصلي بعينين مليانة حقد وكراهية، وقالتلي بصوت واطي ومسموع وأهلها بيجروها برة الباب:
– “مش هسيبك يا سمر.. والله ما هسيبك تتهني، وهدمح بيتك وحياتك بزيادة!”
خرجوا كلهم وسابوا الشقة فاضية.. ما فيش غير صوت شهقات أمي وصوت أنفاس أبويا المتعبة. أنا وقعت على الأرض، حاسة إن جسمي كله مكسر ومخلع، والدنيا كلها اسودت في وشي.
عدى أسبوع على الليلة دي.. ورقة طلاقي من عصام وصلت، وعصام اختفى من المنطقة خالص بعد ما الفضيحة انتشرت بين الناس وكل المنطقة عرفت باللي عمله هو ومرات أخويا. عبير أهلها حبسوها في البيت وما بقتش تطلع، بس غلها ما ماتش.
وفي يوم.. وأنا قاعدة في أوضتي بلم بوجي ومستنية هدوء الأيام عشان أعرف أتنفس، تليفون أبويا رن. كان رقم غريب.. أبويا فتح السبيكر، وجانا صوت عصام، بس الصوت المرة دي ما كانش مكسور ولا خايف.. كان صوت مليان تهديد وشر:




