
فتحت لي سمر وهي تبتسم، وقالت:
«أهلًا يا منى، لقد أنرتِ البيت».
دخلت دون أن أبادلها ابتسامتها.
وجدت أمي جالسة في الصالة، بينما كان حازم عند الباب يستلم طلبية جديدة، وبجواره كيس أدوية أحضرها لأمي.
جلست وأنا أراقب كل شيء بعين مختلفة.
لم أعد أرى اهتمامهم بأمي حبًا…
بل أصبحت أراه مالًا يُنفق.
أحضرت لي سمر مشروبًا باردًا وجلست بجواري وهي لا تزال مبتسمة.
قالت:
«مالك يا منى؟ شكلك متضايقة».
نظرت إليها، ثم نظرت إلى أمي.
كان قلبي يخفق بسرعة، لكنني تماسكت وقلت بصوت قوي:
«أنا جاية النهارده علشان نتكلم بصراحة».
توقفت سمر عن الابتسام.
رفعت أمي عينيها نحوي باستغراب.
أما حازم، فتقدم وجلس يستمع.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت:
«اسمعي يا سمر… واسمعي يا أمي كمان. لازم نتكلم عن الفلوس اللي بتدخل البيت كل شهر».
سادت لحظة صمت.
ثم أكملت:
«المعاش والإيجار ليّ فيهم نصيب زي سمر بالضبط. ومن الشهر ده، أنا عايزة حقي ونصيبي من الفلوس دي يوصل لبيتي».
نظرت سمر إليّ وكأنها لم تصدق ما سمعته.
أما أمي، فاتسعت عيناها من شدة الصدمة.
ثم أضفت الجملة التي لم أتوقع أن تكون بداية لانهيار كل شيء:
«زوجي قال كلمته… وكلامه ما ينفعش أتجاهله».
اختفت الابتسامة من وجه سمر.
ووضع حازم يده على الطاولة دون أن ينطق بكلمة.
أما أمي، فظلت تنظر إليّ طويلًا، وكأنها للمرة الأولى تكتشف شيئًا في ابنتها لم تكن تريد أن تصدقه.
لم يتحدث أحد.
كان الصمت أثقل من أي صراخ.
لكنني لم أكن أعرف أن ما قلته للتو لن يفتح بابًا للمطالبة بالمال فقط…
بل سيفتح بابًا لأسرار وحقائق ستجعلني أندم على كل كلمة خرجت من فمي.
فهل ستدافع سمر عن أمها وتواجهني؟ وهل سيكشف حازم الحقيقة التي أخفاها عني طوال هذه الأشهر؟ والأخطر من ذلك كله… ماذا ستفعل أمي بعدما أدركت أن ابنتها التي رفضت استقبالها في بيتها عادت الآن لتطالب بنصيبها من أموالها؟
وهل سأحصل فعلًا على ما ظننته حقي…
أم أنني سأكتشف أنني خسرت شيئًا أثمن بكثير من المال؟
اتسعت حدقة عين أمي، وتردد صدى كلماتي في أرجاء الصالة كصفعة ثقيلة قطعت أنفاس الجميع. ساد صمت رهيب، لم يكن يصنعه سوى صوت أنفاس حازم المكتومة، ونظرات أختي سمر التي تحولت من الذهول التام إلى مزيج جارح من الخيبة والحزن.
كانت أمي تنظر إليّ، وتلك النظرة بالذات هي ما أربكني؛ لم تكن عينها تحمل غضبًا، بل خيبة أمل عاتية، وكأنها تسأل نفسها إن كانت هذه حقًا الابنة التي سهرت عليها وطعمتها من عافيتها.
خرقت سمر هذا الصمت الثقيل أخيرةً، وقالت بصوت هادئ بشكل مرعب، خالمٍ من أي انفعال:
«حقك؟ حقك في إيه يا منى؟ حقك في معاش أمك وهي على قيد الحياة؟ ولا حقك في إيجار شقتها وهي قاعدة قدامك بتتفس وتسمعك؟».
اندفعتُ ورددتُ بقسوة مدفوعة بكلمات أشرف التي كانت تغلي في رأسي:
«ما تلفيش وتدوري يا سمر! المعاش ثمانية عشر ألف جنيه شهريًا.. أنتم عايشين في تبذير، أكل وشرب وجايبين طلبات ودلع، بينما أنتِ وزوجك بتستفيدوا من الباقي وبتوفروا مصاريف بيتكم على حساب أمي! طالما هي أمنا إحنا الاثنين، ورفضتُ أنا المسؤولية زمان، فده ما يمنعش إن الفلوس دي تتوزع بيننا بالعدل، أو على الأقل ما تتصرفش كلها بيدك أنتِ وزوجك!».
هنا، وقف حازم. لم يصرخ، ولم يغضب، لكنه التفت إلى سمر وقال بنبرة هادئة جافة:
«هاتي الأوراق يا سمر.. هاتي الدفتر والتحاليل من الجوة».
انقبض قلبي فجأة. أي دفتر؟ وأي تحاليل؟
قامت سمر بدقات قلب متسارعة، بينما ظلت أمي واجمة، تنظر إلى الفراغ وتتمتم بصوت خفيض:
«يا خسارة تربيتي.. يا خسارة عمري».
عادت سمر وهي تحمل ملفًا أزرق كبيرًا ودفترًا صغيرًا مدونًا فيه كل شيء بالفرشاة والقلم. ألقى حازم الملف على الطاولة أمامي، وقال بصوت حاد كالسكين:
«اتفضلي يا ست منى.. افتحي الدفتر اقري، وشوفي التبذير اللي أنتِ جاية تحاسبينا عليه!».
فتحتُ الدفتر بيدين ترتجفان رغماً عني، وبدأت أقرأ:
* جلسات علاج طبيعي للمفاصل والظهر: أربع جلسات أسبوعيًا، تكلفة الجلسة 800 جنيه.
* أدوية وسيولة وضغط وسكر ومكملات غذائية خاصة: 4,500 جنيه شهريًا.
* حفاضات كبار السن ومستلزمات رعاية طبية: 2,500 جنيه شهريًا.
* أخصائية تمريض تأتي مرتين أسبوعيًا لمتابعة العلامات الحيوية: 3,000 جنيه شهريًا.
نظر حازم في عيني وقال بنبرة مليئة بالمرارة:
«أُمك اللي أنتِ شايفاها قاعدة مرتاحة بتطلب بيتزا ومشاوي، الدكاترة منعوها من الأكل العادي تمامًا بسبب نسبة اليوريا القاتلة وضغط الدم! الأكل اللي بيدخل البيت ده كله بيجي بمواصفات خاصة جداً، ومن أماكن مخصصة لمرضى السكر والضغط، الوجبة الواحدة بتكلف ضعفين الأكل الطبيعي عشان تقدر تاكل وتحس إنها طبيعية وما تحسش بالحرمان!».
ثم فتح الملف الأزرق وأخرج منه تقريرًا طبيًا معتمدًا وختم مستشفى كبير، وألقاه أمامي:
«اقري دي كمان.. ده التقرير اللي خبيناه عليكِ عشان ما نقلقكيش، وعشان أختك قالت لي: “منى عندها أطفال ومصاريف ومش عايزين نضغطها”. أُمك محتاجة عملية تغيير مفصل كامل خلال شهرين، بتكلفة بتتعدى تسعين ألف جنيه!».
سقطت الصحيفة من يدي. أردف حازم وهو يشير إلى أمي:
«المعاش والـ 18 ألف جنيه اللي عينك عليهم، سمر بتجمع منهم كل شهر القرشين اللي بيتبقوا بعد العلاج والأكل الخاص عشان نسدد ثمن العملية اللي فاضل عليها أسابيع، ومن غير ما نطلب منك ولا مليم ولا نثقل عليكِ! أما الفاكهة اللي أنا بقشرها لها بيدي.. فدي من مالي الخاص، هدية مني لأم زوجتي اللي بعتبرها أمي، والبركة اللي ربنا رزقني بيها في بيتي!».
تسمرتُ في مكاني. شعرتُ وكأن سقف الغرفة ينهار فوق رأسي. كل الفنون والسيناريوهات التي غرسها أشرف في عقلي بدأت تتلاشى كالدخان أمام هذه الحقائق الصادمة.
نظرتُ إلى سمر، فوجدت الدموع تسيل على خديها بالصمت. وقفت سمر وقالت وهي تخنق عبرتها:
«أنا لما أخذت أمي، ما أخذتهاش عشان معاشها يا منى.. أنا أخذتها عشان كنت خايفة عليها من قسوتك وقسوة زوجك. أنتِ رميتيها وتخليتِ عنها في أكتر وقت كانت محتاجة فيه لمتكم، وجاية النهاردة تطالبي بحقك في فلوسها؟ أنتِ بقيتِ إيه؟ هو أشرف غيرك للدرجة دي؟ ولا ده أصلك اللي كان مستخبي؟».
في تلك اللحظة، رفعت أمي يدها المرتجفة، وأشارت إليّ بسبابتها. كان صوتها ضعيفًا وخرج بصعوبة بالغة، لكنه كان ينزل على قلبي كالجمر:
«اسمعي يا منى.. من النهاردة، التوكيل اللي مع سمر مش بس للصرف.. التوكيل ده أنا خليته توكيل رسمي عام، وك كتبت لها الشقة بيع وشراء من الشهر اللي فات! الشقة والمعاش تحت إيد سمر، هي اللي شايلاني وهي اللي حنّت عليّ لما أنتِ قفلتي بابك في وشي!».
اتسعت عيناي بذهول:
«كتبتِ الشقة لسمر يا أمي؟! حرمتيني من حق الشقة كمان؟!».
ردت أمي بنبرة حازمة قاطعة، لم أعهدها منها من قبل:
«أنا ما حرمتكيش.. أنتِ اللي حرمتِ نفسك يوم ما بعتيني عشان راحتك وراحة زوجك. الفلوس والشقة دي حماية لسمر ولبيتها اللي فتحوه لي، وحماية ليّ أنا عشان لما أموت أكون مطمنة إن سمر أخذت أجر تعبها ورعايتها لي. قومي يا منى.. قومي ارجعي لزوجك، وقولي له: “أمي أخذت حقها منك ومني قبل ما نسألها عن حقنا!”».
وقفتُ مشدوهة، ألتفت بين أمي القاسية بنظراتها، وسمر التي تدير وجهها عني، وحازم الذي ينظر إليّ بقلة احترام لم أذق مثلها في حياتي.
سحبتُ حقيبتي بيدين ترتجفان، وخرجتُ من المنزل بخطوات ثقيلة يحيطها الفراغ. كانت الدنيا تدور بي. لم أكن أفكر في المال الذي ضاع، بل في الهاوية التي دفعتُ نفسي إليها.. كيف سأواجه أشرف الذي ينتظرني في البيت بشرارة الطمع؟ وماذا أقول له بعد أن عدتُ بحقيقة كشفت سوأتي، وحرمتني من أمي ومن شقتها إلى الأبد؟
وصلتُ إلى بيتي، وفتحتُ الباب وأنا أسمع صوت أشرف ينادي من الداخل بلهفة طامعة:
«عملتِ إيه يا منى؟ وافقوا يبعتولنا نصيبنا ولا سكتِ كالعادة؟».




