
– عم أحمد: “أنا هنادي على سدرة.. اتفضلي يا بنتي”.
– هشام: “إيه ده؟ هي عاملة كده ليه يا ماما؟”.
– ثريا: “أنا ماكنتش أعرف إنها بتلبس كده”.
– هشام: “بس كده أحسن”.
– عم أحمد: “اكشفي وشك يا سدرة”.
– هشام: “لا مافيش داعي”.
– محسن: “ليه يا هشام يا بني؟ لازم نشوفها”.
– عم أحمد: “إيه يا جماعة في إيه؟”.
– ثريا: “لا أبداً، أصل زينب ما قالتش إن بنتها منقبة”.
– عم أحمد: “لا يا ست هانم، سدرة منقبة من زمان”.
– محسن: “خير، النقاب مش وحش”.
– هشام: “كده حلو أوي”.
– عم أحمد: “خلاص نتوكل على الله”.
وصل المأذون، وقبل عقد القران ردّد عم أحمد وهشام الكلام وراء المأذون.
– المأذون: “ألف مبروك”.
– ثريا: “مبروك يا هشام”.
– هشام: “مبروك على إيه إن شاء الله؟”.
– محسن: “في إيه يا هشام؟”.
– هشام: “أنا عملت اللي أنت عايزه مني، كده براءة”.
سدرة ابتدت تلاحظ إن هشام مش عايز الجوازة، وسكتت بعدما كانت فاكرة إنه موافق، ودموعها نزلت تحت النقاب.
– ثريا: “يلا يا هشام هات عروستك”.
– هشام: “بلا عروسة بلا بتاع!”.
– محسن: “وطي صوتك واحترم نفسك، وروح هات عروستك يلا”.
راح هشام ووقف جنب سدرة وقالها: “يلا”، فمشيت معاه من غير كلام.
– ثريا: “يعني ينفع اللي ابنك بيعمله ده يا محسن؟”.
– محسن: “أنا هعمل إيه؟ هو كل حاجة غلط من الأول”.
سلموا على عم أحمد ونزلوا. محسن ركب مع ثريا، وهشام ركب عربيته ودورها من غير ما يقول لسدرة تركب. هشام شافها واقفة ولسه مركبتش، كان عايز يسيبها ويمشي بس خاف من ثريا، فقالها:
– “إيه؟ هتجي البيت ماشية؟”.
سدرة كانت زعلانة أوي، وجت تركب جنبه فقالها تركب وراء، وركبت وطلع بالعربية بسرعة وعصبية.
وصلوا البيت، نزل هشام وساب سدرة ودخل.
– محسن: “فين عروستك؟”.
– هشام: “ماتقولش عروستك! وبعدين إيه اللي انتوا عاملينه ده؟ انتوا عاملين فرح؟!”.
– ثريا: “كفاية بقى يا هشام، أنا أعصابي تعبت”.
– محسن: “فين البنت يا هشام؟”.
– هشام: “هي كانت عايزاني أعمل إيه أكتر من كده؟ أنا وصلتها، هي ما نزلتش من العربية”.
– ثريا: “اطلع يا محسن هات البنت”.
– محسن: “منك لله يا هشام!”.
طلع محسن ولقى سدرة واقفة جنب العربية ومش عارفة تروح فين.
– محسن: “إيه يا سدرة ما دخلتيش مع هشام ليه؟”.
– سدرة بصوت هادئ: “آسفة يا عمي”.
خدها محسن ودخلوا. كانوا عاملين فرح بسيط علشان يفرحوا سدرة، بس طبعاً هشام ما حضرش.
– ثريا: “يلا يا حبيبتي اطلعي عند جوزك”.
– محسن: “إيه الكلام اللى أنتِ بتقوليه ده يا ثريا؟ أنتي عارفة هشام قال إيه”.
– ثريا: “يعني إيه؟ هنسمع كلامه؟ يلا يا محسن خد سدرة على أوضة هشام”.
– محسن: “طيب مش ممكن تكشف وشها نشوفه الأول؟”.
– ثريا: “بصراحة أنا خايفة تطلع وحشة أوي وأقفل منها خالص يا محسن”.
– محسن: “يعني إيه؟ هتعيش معانا وإحنا مش عارفين شكلها؟”.
– ثريا: “هي لابسة النقاب، هنتعود عليها كده”.
خد محسن سدرة وطلع بيها عند هشام، وأول ما خبط ودخلت، سابها هشام ونزل يجري لإن والديه خالفا الاتفاق:
– “يا ماما! يا بابا!”.
– ثريا: “في إيه يا هشام؟”.
– هشام: “هو ده اللي أنا اتفقت معاكم عليه؟”.
– محسن: “عايز إيه يا هشام؟”.
– هشام: “أنا هطلع أعيش في الشقة اللي فوق وخلوها هي هنا”.
– محسن: “براحتك، أنا أعصابي تعبت”.
طلع هشام الشقة وكان مـ,ـخـ,ـنـ,ـوق جداً، فاتصل على صاحبه عمر:
– عمر: “ألو، أيوه يا هشام انت فينك؟ بقالك كام يوم مختفي”.
– هشام: “أنا واقع في مـ,ـصـ,ـيـ,ـبـ,ـة يا عمر.. اتجوزت!”.
– عمر: “وإيه المـ,ـصـ,ـيـ,ـبـ,ـة في كده؟”.
– هشام: “اتجوزت بنت الخدامة اللي كانت عندنا!”.
– عمر: “بنت خدامة؟! يعني إيه مش فاهم؟”.
– هشام: “أنت فاكر زينب الشغالة اللي كانت عندنا؟ هي دي بنتها”.
– عمر: “طيب إيه اللي خليك تتجوزها؟”.
– هشام: “ثريا هانم! علشان كانت بتحب زينب جداً وكمان بنتها مالهاش حد بعد وفـ,ـاة أمها”.
– عمر: “وإيه المشكلة إذا كان أهلك موافقين؟”.
– هشام: “أنا اللي مش موافق!”.
– عمر: “ليه يا بني؟”.
– هشام: “أنت عارف إن زينب ماكنتش حلوة خالص وبنتها نفس الشكل”.
– عمر: “أنت شفتها؟”.
– هشام: “لا”.
– عمر: “طيب أخلاقها؟”.
– هشام: “يا بني قلتلك أنا ما اتعاملتش معاها خالص”.
– عمر: “حـ,ـرام عليك يا عم هشام، أنت بتحكم عليها قبل ما تتكلم معاها! وبعدين إزاي اتجوزتها من غير ما هي تشوفها؟”.
– هشام: “دي منقبة”.
– عمر: “كمان؟! والله دي خسارة فيك، دي المنقبة بتبقى ملكة، بحسها أميرة”.
– هشام: “وهو أنا اتصلت بيك علشان تمدح فيها؟!”.
– عمر: “أنا بقول رأيي وأنت حر، بس إياك تعاملها وحش علشان هتندم حتى لو كانت وحشة، عامل ربنا يا هشام”.
– هشام: “طيب سلام يا عمر”.
فضل هشام يفكر في كلام عمر بس ما اقتنعش بيه ونام، أما سدرة فدخلت أوضة هشام وفضلت قاعدّة فيها…
نزلت سدرة من على طرف السرير بخطوات مترددة، خلعَت عباءتها وبقيت بنقابها، تنظر حولها في الغرفة التي فوحت منها رائحة عطر رجالي هادئ، لكن برود المكان كان ينهك روحها. جرحها كلام هشام واستهتاره، لكن رحيل والدتها “زينب” والوحدة التي عاشتها جعلاها تتحمل. جلست في زاوية الأريكة وضمت قدميها، تداري دموعاً غسلت كحل عينيها تحت القماش الأسود، حتى غلبها النوم وهي متكورة على نفسها من التعب والكسر.
في الأسفل، كانت ثريا تجلس في الصالة، تدور في المكان بقلة صبر ومحسن يراقبها بنظرات عتاب:
– محسن: “أهو أديكي ارتحتي يا ثريا.. اتجوزوا وكل واحد في ناحية، والبت محبوسة فوق ومش عارفين نعمل معاها إيه ولا حتى نعرف هي عاملة إيه.”
– ثريا: “أنا ماكنتش متوقعة إن هشام يقفل منها للدرجة دي يا محسن، أنا كنت فاكرة إنه لما يتحط أمام الأمر الواقع هيحن.”
– محسن: “يحن إزاي وهو ما شافش وشها حتى؟ وبعدين الواد مش غلطان، أنتِ اللي حبكتي الجوازة بسرعة وبشروط غريبة.. طلوع البت فوق في أوضته وهو ينزل الشقة اللي فوق كان تصرف ملوش معنى.”
– ثريا: “خلاص بقى يا محسن متقطّعش فيّا.. أنا هطلع لها الصبح، هشوف هتعيش معانا إزاي، والبنت أمانة زينب، ومش هفرط فيها.”
حلّ الصباح، واستيقظ هشام في الشقة العلوية وهو يحس بضيق شديد. نزل إلى شقة والديه ليغير ملابسه وينزل لعقده وشغله في الشركة. فتح باب الشقة ودخل ببرود، متجاهلاً وجود أي شخص.
في تلك اللحظة، كانت سدرة قد استيقظت مبكراً، دخلت الحمام وتوضأت وصلّت، ثم خرجت إلى الصالة وهي ترتدي إسدالاً واسعاً ونقاباً خفيفاً تغطي به وجهها، تتلمس طريقها بتهذيب لتساعد في المنزل كما اعتادت.
تقابل هشام معها في الممر المؤدي للغرفة، توقف فجأة ونظر إليها بنظرة ازدراء وشك:
– هشام: “أنتِ بتعملي إيه هنا؟ وزي ما أنتِ كدة بالبتاع ده في البيت؟”
سدرة وقفت مكانها، ونكست رأسها دون أن تنبس بكلمة، تتذكر شرطه الثالث: (إنها ماتتكلمش معاه طول ما هو عايش).
– هشام بعصبية: “أنا بكلمك! ولا أنتِ فاكرة نفسك أميرة بجد زي ما عمر قال؟ ردّي!”
ظلت سدرة صامتة، تنظر إلى الأرض بجمود وثبات أثارا غضبه أكثر.
– هشام: “ماشي.. مسيرك تنطقي.”
خرجت ثريا من المطبخ على صوت هشام العالي:
– ثريا: “في إيه يا هشام؟ بتزعق للبت ليه من أول الصبح؟”
– هشام: “البانم مش بترد عليا يا ماما! واقفة زي الصنم!”
– ثريا: “أنت نسيت إنك شرطت عليها ماتتكلمش معاك؟ البنت محترمة شرطك وماشية عليه، تلومها هي ليه بقى؟”
– هشام بصوت متهكم: “محترمة شرطي؟ ولا ما عندهاش حاجة تقولها؟ عموماً أنا داخل آخد حاجتي وماشي على الشغل، وعايز لما أرجع ما ألمحش خيالها هنا.”
تركهم ودخل الغرفة بغضب، بينما اقتربت ثريا من سدرة وطبطبت على كتفها:
– ثريا: “معلش يا بنتي.. هشام طبعه صعب وطايش، بكرة يعقل ويفهم. تعالي معايا المطبخ نعمل فطار.”
سدرة أومأت برأسها في هدوء، ومشت خلف ثريا دون أن تنطق بحرف.
مرت الأيام، وتحول البيت إلى نظام صارم غريب؛ هشام يأتي من عمله متأخراً، يأكل وجبته وينزل إلى شقته العلوية أو يخرج مع أصدقائه. وسدرة تعيش في الشقة السفلى مع محسن وثريا، تساعد في كل أعمال البيت بمهارة ونظافة فائقة ذكرت ثريا بوالدتها زينب، لكنها كانت ترفض تماماً خلع النقاب أمام محسن أو حتى أمام ثريا إلا في غرفتها المغلقة، مما زاد من فضول ثريا وبدأت الشكوك تراودها.
في إحدى الليالي، كان محسن وثريا يجلسان في الصالة بعد أن صعد هشام إلى شقته.
– ثريا بصوت خفيض: “محسن.. أنا موضوع النقاب ده بدأ يقلقني.”
– محسن: “يقلقك في إيه تاني يا ثريا؟ البنت مؤدبة وما بنسمعش صوتها، وبيت القعدة بقى زي الفل.”
– ثريا: “أنا مش بتكلم عن أدبها.. أنا بتكلم عن شكلها! هي ليه قاعدة بالنقاب طول الوقت حتى وأنا وهي لوحدنا؟ كل ما أدخل عليها الأوضة ألقاها لابسة الإسدال ومغدية وشها! هي خايفة أعرف شكلها ليه؟”
– محسن: “يمكن كسوفة يا ثريا، أو يمكن مش واخدة عليكِ.”
– ثريا: “لا يا محسن.. قلبي مش مريحني، أنا خايفة تكون فيها حاجة وحشة أو علة في وشها ومخبياها بالنقاب ده، وأنا اللي أكون دبست ابن الوحيد في عيب مش هيعرف يسامحني عليه.”
– محسن: “استغفر الله العظيم يا ثريا! أنتِ بقيتي بتفكري إزاي؟ البنت يتيمة ومالهاش حد، حاسبي على كلامك.”
في الشوق العلوية، كان هشام يتحدث في الهاتف مع صديقه عمر:
– هشام: “أنا تعبت يا عمر.. البيت بقى يخنق.”
– عمر: “يخنق من إيه؟ أنت مش قلت إنك عزلت في الشقة اللي فوق وهي تحت؟”
– هشام: “أيوه، بس وجودها محسوب عليا! ماما وبابا بقوا يهتموا بيها ويراعوا مشاعرها أكتر مني.. وكل ما أنزل ألقاها واقفة زي الخيال الأسود، لا بتتكشف ولا بتتكلم، حاجة تجيب الجنان.”
– عمر: “يا بني أنت اللي عملت كدة في نفسك! أنت اللي شرطت عليها ماتتكلمش ومش عايز تشوفها.. أنت متوقع منها إيه؟ تجري وراك؟ البنت صاينا كرامتها وساكتة.”
– هشام: “كرامتها؟ دي تلاقيها مصدقة إنها اتجوزت واحد زيي ومتمسكة بالجوازة سنان وأيدي! أنا لازم أنهي المهازل دي يا عمر، أنا هبدأ أدور على عروسة تانية كويسة وبنت ناس وأتجوزها، وأحطهم كلهم قدام الأمر الواقع.”
– عمر: “تتجوز تاني؟ أنت اتجننت يا هشام؟ أنت لسه ما عرفتش الأولى دي شكلها إيه ولا طبعها إيه!”
– هشام: “مش عايز أعرف! شكلها هيكون إيه يعني؟ بنت زينب.. أيدين شقيانة وشكل عادي جداً، وأكيد النقاب ده علشان تداري بيه التواضع اللي هي فيه. أنا اتخذت قراري.”
في صباح اليوم التالي، قررت ثريا أن تحسم أمر النقاب وتتأكد بنفسها. انتظرت حتى خرج محسن إلى قضاء بعض الطلبات، وصعد هشام إلى عمله. دخلت ثريا إلى غرفة سدرة فجأة دون أن تطرق الباب بقوة.
كانت سدرة تجلس على السجادة تقرأ في المصحف، وكانت قد رفعت النقاب عن وجهها قليلاً لترتاح.
عندما فتحت ثريا الباب، فزعت سدرة وسارعت بوضع يدها على وجهها لتغطيته وهي ترتعد.
لاحظت ثريا أطراف بشرة سدرة الناصعة وعينيها الواسعتين اللتين أطرتها كحل طبيعي وغطاء الرأس.
– ثريا وهي تتقدم نحوها بصرامة: “نزلي إيدك يا سدرة.. كفاية كدة، أنا لازم أشوفك.”
سدرة تمسكت بنقابها وهزت رأسها بالرفض، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها.
– ثريا: “أنا زيك زي أمك الله يرحمها، وأنا اللي جوزتك لابني.. مش معقول هعيش في بيت واحد مع واحدة ومش عارفة شكلها! اكشفي وشك يا بنتي وما تخافيش.”
سدرة، بصوت خافت جداً يرتجف لأول مرة تتحدث به أمام ثريا منذ يوم عقد القران:




