عام

مافيش داعي تشيلي النقاب 2

– شريف بجدية واحترام: “يا عمي محسن.. بصراحة أنا أصل العزومة اللي فاتت ان بهرت جداً بأخلاق وجمال مدام سدرة، وعرفت من والدتي إن الجوازة دي كانت ظروفها غريبة شوية وإن هشام…”

قاطعه هشام بقسوة وشرارة الغضب تطاير من عينيه وهو يتقدم نحو المجلس:

– هشام بصوت كالرعد: “وإن هشام إيه يا سي شريف؟! سدرة مراتي! زوجتي على سنة الله ورسوله! أنت جاي تتكلم عن مراتي في بيتي ولا إيه؟!”

وقفت نيفين هانم وفاروق بك بذهول، وقام محسن بغضب:

– محسن: “هشام! اتعلم الأدب واعرف بتتكلم إزاي مع ضيوفك!”

– هشام وهو ينظر لشريف بنظرات قاتلة: “الضيوف على راسي.. لكن اللي يفكر يلمس خيال مراتي بكلام أو نظرة أقطعه! سدرة ملكي أنا ومحدش له دعوة بيها!”

– شريف بهدوء وكرامة: “أنا آسف يا هشام بك.. أنا ماكنتش أقصد أي إساءة، أنا بس سمعت إن الجوازة مش قائمة وإنك رافضها، فكنت بستفسر مش أكتر.. استأذنكم يا جماعة.”

انصرف فاروق بك وعائلته في حالة من الحرج، والبيت اشتعل ناراً.

– ثريا بغضب شديد: “أنت اتجننت يا هشام؟! إزاي تطرد الناس وتتكلم مع شريف بالأسلوب ده؟”

– هشام بعيون حمراء ودموع متصلبة: “أنا اتجننت فعلاً يا ماما! أنا مش هسمح لأي راجل في الدنيا يبص لها أو يفكر فيها! سدرة دي بتاعتي أنا وبس!”

– ثريا بأسى وسخرية: “بتاعتك؟ أنت نسيت إنك قلت مش عايز تشوفها وهتتجوز غيرها وهي هتعيش فوق وأنت تحت؟ نسيت الشرط الرابع اللي فرضته علينا؟”

– هشام يصرخ بأعلى صوته: “يلعن أبوه شرط! يلعن الأيام اللي فكرت فيها كده! أنا بحبها يا ماما! أنا بقيت مجنون بيها ومش شايف غيرها!”

خرجت سدرة من غرفتها على صوت صراخه العالي، وكانت ترتدي نقابها.

وقفت على مسافة مترين منه، تنظر إليه بجمود وصمت يتحديان ثورته.

عندما رآها هشام، سكت فجأة.

توقفت أنفاسه، واقترب منها بخطوات متوسلة أمام والديه، وانخبط على ركبتيه أمامها على الأرض في مشهد صدم محسن وثريا كلياً!

هشام الشاب المغرور والمتكبر، يركع على ركبتيه أمام “بنت الخدامة”!

رفع هشام عينيه الممتلئتين بالدموع والتوسل نحو عينيها من خلف النقاب:

– هشام بصوت يرتجف ويتقطع: “سدرة… أرجوكِ.. أنا قدامك أهو، كبريائي تحت رجليكي، وغروري اتكسر.. أنا ندمان، ندمان لحد الموت! العقاب ده أقسى عليا من الموت.. اتكلمي معايا، اضربيني، اشتميني، خدي حقك مني بأي طريقة.. بس ما تحرمينامش من صوتك ومن بصلتك! أنا والله العظيم بحبك وعايز أعيش خدام تحت رجليكي بقية عمري!”

ساد صمت رهيب في الصالة.

كان محسن وثريا يترقبان وردة فعل سدرة بذهول ونبضات قلب متسارعة.

نظرت سدرة لهشام وهو راكع تحت قدميها يتوسل المغفرة.

رفعت يدها ببطء شديد، وفكت رباط النقاب عن وجهها، ليتجلى وجهها الباهي الملائكي أمامه من جديد، والدموع تنزل كاللؤلؤ على جفنيها الناعمين.

التقطت أنفاسها، ولأول مرة منذ عقد القران، نطقت بصوتها الرقيق الكامل الممتلئ بمرارة الأيام السابقة:

– سدرة بنبرة حزينة وثابتة: “اللي اتكسر في قلبي يا هشام بك.. ما بتصلحوش دموع اللحظة دي.. أنت أهنتني في كرامتي وفي اسم أمي الله يرحمها، واستكترت عليا حتى كلمة طيّبة يوم عقد قراننا.. الزجاج لما بيتكسر، حتى لو اتجمع تاني، بيفضل معلم فيه ألف شرخ.”

– هشام وهو يمسك ب طرف عباءتها برجاء: “أنا مستعد أقضي عمري كله أصلح في الشروخ دي يا سدرة! بس أديني فرصة واحدة.. فرصة واحدة أثبتلك فيها حُبي وصدمتي في نفسي!”

سدرة مسحت دمعتها بثبات، ونظرت لعينيه بثقة وقوة لم يعهدها فيها:

– سدرة: “الفرصة دي مش ببلاش يا هشام.. وأنا ليّا شرط واحد أخير.. لو نفذته، ساعتها بس هفكر لو كنت أقدر أسامحك ولا لأ!”

توقفت الأنفاس في الصالة، وساد صمت دقيق كأن على رؤوس الجميع الطير. كان هشام ينظر إليها وهو ما زال راكعاً على ركبتيه، متمسكاً بـ طرف عباءتها كمن يتعلق بطوق نجاة في بحر هائج. رفع عينيه الدامعتين نحو وجهها الملائكي الذي أشرق مجدداً بلا ساتر، وقال بنبرة يملؤها الرمق الأخير من الأمل:

– هشام بصوت يرتجف: “شرطك مجاب يا سدرة.. لو طلبتِ روحي هقدمهالك على إيدي من غير ما أتردد لحظة! قولي شرطك إيه؟”

سدرة نظرت إليه بثبات، والدموع لم تمنع بريق الكبرياء والنبل في عينيهاالعسليتين، ثم التفتت إلى محسن وثريا اللذين كانا يتابعان المشهد بذهول ونبضات متسارعة، ورجعت بنظرها لهشام وقالت بصوت هادئ ورصين يحمل هيبة لا تُرد:

– سدرة: “شرطي يا هشام بك.. إن الجوازة دي تنتهي رسمياً.”

انقبض قلب هشام وكأن صاعقة ضربت صدره، وصرخ بلوعة:

– هشام: “إيه؟! طلاق؟! لا يا سدرة أرجوكِ! لا تموتينيش بالبطيء!”

– سدرة أوقفته بلمسة يد حازمة وتابعت كلامها: “اسمعني للأخر وما تقاطعنيش! الجوازة دي تمت بغصب، وبشروط إهانة، وبتوكيل من وراك، وبنظرة استعلاء وكبر منك ليّا ولأمي الله يرحمها.. الجوازة اللي تبدأ بالكسر ما تنفعش تعيش. شرطي إنك تطلقني عند المأذون زي ما اتجوزنا، وتبدأ معايا من الصفر كإني واحدة غريبة تماماً! تتقدم لي من جديد، وتطلب إيدي من عم أحمد ومن عمي محسن وطنت ثريا، وأنا من حقي أوافق أو أرفض زي أي بنت عزيزة في بيت أهلها.. وتثبت لي إنك بتتجوز ‘سدرة’ البنت ذات نفسها وعايزها هي، مش بتجري ورا وردة عجبت عينك أو بتكفر عن ذنب وحاسس بالذنب ناحيته!”

كانت الكلمات بمثابة إعادة بناء شاملة لكرامتها التي أُهدرت.

محسن ابتسم ابتسامة إعجاب كبيرة وهز رأسه بتقدير بالغ، بينما ثريا مسحت دمعة فرحة من على خدها وقالت بصوت عالٍ:

– ثريا: “عفارم عليكِ يا سدرة! هو ده الكلام الصح.. البنت مش لعبة تتجوزها بشرط وتصالحها بوردة! لازم تعرف قيمتها صح.”

هشام بلع ريقه وصمت لثوانٍ، يتأمل وجهها وقوتها وعزة نفسها التي زادتها في عينيه جمالاً فوق جمالها. أدرك أن سدرة ليست مجرد وجه جميل، بل هي جوهرة نادرة تملك عقلاً وكرامة لا يُقدران بمال.

قام هشام من على الأرض، وقف بطوله، ونظر إليها بإجلال واحترام شديدين، وهز رأسه وقال بنبرة صادقة يملؤها الخشوع:

– هشام: “أنا موافق يا سدرة.. موافق على كل كلمة قلتيها. من بكرة هنروح للمأذون وننهي الجوازة دي، ومن بكرة الصبح هبدأ أرحل في طريقك من جديد، وأحاول أستاهل ضحكة واحدة منك أو كلمة رضا.”

وفي اليوم التالي، ذهب الجميع إلى المأذون، وتم الطلاق الودي بطلب من سدرة وبموافقة هشام. عادت سدرة لتُقيم في الغرفة الخاصة بها في الشقة السفلى كـ “ضيفة عزيزة” وبنت أخت لثريا ومحسن، بينما هشام لم يعد يجرؤ على فرض وجوده، بل صار يتصرف معها بأعلى درجات الأدب والحياء.

بدأت مرحلة جديدة تماماً؛ هشام تغير تغير أصل جذر ي. صار يصحو مبكراً، يذهب لعمله بجدية، ويحرص على أن يشتري كل يوم شيئاً تحبه سدرة، لا كهدية فاخرة يستعرض بها، بل كأشياء بسيطة تعبر عن اهتمامه؛ كتباً تحب قراءتها، نوع زهور تفضله، أو حتى حلوى بسيطة كانت زينب رحمها الله تصنعها لها.

كان هشام يطلب إذن والدته ومحسن ليجلس في الصالة في الأوقات التي تكون سدرة متواجدة فيها، ويجلس على مسافة متباعدة، يستأذن قبل أن يتحدث، ويتكلم بنبرة يملؤها الاحترام والتقدير والتواضع الشديد.

ومرت ستة أشهر كاملة…

ستة أشهر أثبت فيها هشام لسدرة ولنفسه وللجميع أنه تغير بحق، وأن الكبر والغفلة اللذين كانا يسكنانه قُتلا بلا رجعة، وأن حبه لها صار عقيدة بقلبه وروحاً تسري في دمه.

في مساء يوم جمعة دافئ، اجتمعت العائلة في الصالة. كان عم أحمد (قريب سدرة) حاضراً بدعوة من محسن وثريا.

وقف هشام ببدلة أنيقة، لكن دون استعلاء هذه المرة، بل بقلب يدق بطفولية ورهبة من أن يُرفض.

نظر هشام لعم أحمد ولمحسن بثقة وتواضع:

– هشام: “عم أحمد.. بابا.. ماما.. أنا النهاردة جاي أطلب إيد الأنسة سدرة على سنة الله ورسوله.. جاي بطلبها وأنا معترف إنها أعلى مني مقاماً وأكبر مني كرامة، ومستعد أكون لها السند والأمان والزوج اللي يرعاها ويعوضها عن كل لحظة حزن عاشتها، وبوعدكم وبوعد ربنا قدامكم إني أحطها في عيني وأشيلها على رأسي طول عمري.”

التفت عم أحمد لـ سدرة التي كانت تجلس إلى جوار ثريا، ترتدي فستاناً أبيض ناعماً وحجاباً كالمَلَك، ونقابها مرفوع بين أهلها، ووجهها يفيض خجلاً ونوراً.

– عم أحمد بابتسامة حنونة: “الرأي رأيك يا سدرة يا بنتي.. هشام أتغير فعلاً والكل يشهد له، وأنتِ صاحبة القرار.”

سادت لحظة صمت حبست فيها أنفاس هشام، وكأن دقات قلبه كانت تُسمع في الغرفة بأكملها.

رفعت سدرة عينيها العسليتين الهادئتين، ونظرت لهشام رأرأة الصدق والندم والحب الدفين في عينيه.

ابتسمت ابتسامة رقيقة ساحرة أضاءت وجهها، ونكست رأسها بحياء وقالت بصوت هادئ كعزف الكمان:

– سدرة: “أنا موافقة يا عمي.”

انطلقت زغاريد ثريا المدوية لتملأ أرجاء البيت، واحتضنت سدرة بدموع الفرحة، بينما قفز هشام من سعادته وكأنه ملك الدنيا وما فيها، واحتضن والده محسن وعم أحمد بشرق وشغف.

وبعد أسابيع قليلة، أُقيم حفل زفاف أسطوري، ليس للتباهي، بل فرحة حقيقية بقلبين ائتلفا بعد طول اختبار. أطلت سدرة بفستان زفافها الأبيض الملكي، وكانت كحورية هبطت من السماء، وجلس هشام إلى جوارها لا تصدق عيناه أنه أخيراً حظي بهذه الجوهرة.

وفي ليلة الزفاف، بعد أن أُغلق عليهما باب شقتهما الجديدة، وقف هشام أمامها، وأمسك يديها الرقيقتين بين يديه بحنان وفخر:

– هشام بنبرة دافئة تفيض حباً: “عارفة يا سدرة؟ أنا بشكر ربنا كل يوم على اليوم اللي دخلتِ فيه حياتنا.. النقاب اللي كان بيغطيكِ ماكنش داري بس جمال وشك، ده كان حامي أطهر وأجمل قلب قابلته في حياتي.”

سدرة ابتسمت له بصفاء، وقالت برقة:

– سدرة: “وأنا بشكر ربنا إنه هدالك قلبك، وعرّفك إن المحبة مش بالشكل ولا بالنسب، المحبة بالروح والتقوى والاحتواء.”

أمسك هشام بيدها وقبلها باحترام وعمق، وتبددت كل آلام الماضي وشروخه، لتستبدل بصفحة جديدة ملؤها الحب الصادق والاحترام المتبادل، وعاشا معاً في هناء وراحة بال.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى