روايات وقصص

حكايات بسمه 2

—مبارك يا سارة هانم، الشقة بكرة الصبح ملكك قانوناً وبشكل القاطع وما حدش يقدر ينازعك فيها ولا بجنيه واحد.
أخدت الورق وحطيته في شنطتي بثبات، وبصيت لخالد وقلت له:
—كده الشرط الأول أتحقق.. والمشتري مش هييجي البيت النهاردة.
خالد اتنفس بصعوبة وقال بصوت مليان غضب ومحاولة لاسترداد جزء من كبريائه:
—جميل جداً.. أديكي أخدتي اللي أنتِ عايزاه ولويتي دراعي وسجلتي الشقة باسمك. ترجعي البيت بقى ولمي الليلة دي عشان أمي وأختي جايين الضهر يتكلموا في موضوع التلاجة، ومش عايز كلمة واحدة تطلع منك تفضحنا!
وقفت قدام باب الشهر العقاري، وبصيت له بابتسامة غيرت ملامح وشه تماماً وقلت:
—تلاجة إيه اللي يتكلموا فيها؟ أمك وأختك جايين بيتي أنا، والموضوع مش بس تلاجة يا خالد.. أنا اتصلت بوالدي وإخواتي، وهم كمان جايين الضهر على الشقة، وعاملة لهم عزومة حلوة عشان نفتح كل الأوراق القديمة والجديدة قدام الكبار.. وبحضور أمك وأختك!
خالد صرخ بصوت مكتوم وهجم خطوة ناحيتي:
—أنتِ اتجننتي؟! جايبة أهلك ليه؟ عايزة تفضحينا بجد وتعملي قاعدة عرب في بيتنا؟!
رديت بمنتهى الهدوء وأنا بركب عربية تاكسي:
—ده مش بيتك يا خالد.. ده بيتي أنا. والظلم اللي حصل في الخفاء، لازم يتصلح قدام الكل وعلى عينك يا تاكس. استناني الضهر.. العزومة هتبدأ!
ركبت التاكسي وسبته واقف في الشارع مشدوه، عيونه بتمطر غضب وحيرة. أسلوب “استفرادي بيكي جوه البيت” و”اسكتي وماتفضحيناش” انتهى للأبد. المرة دي اللعب هيبقى على المكشوف، وقدام الكل.
وصلت البيت قبلهم، بدأت أجهز المكان. فتحت الشبابيك ودخلت الشمس، غيرت مفرش الترابيزة، وعملت غدا يليق بقعدة كبار. كنت هادية جداً، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، لكنه ههدوء شخص صاحب حق وواثق في خطواته.
الساعة جابت 12:30 الظهر. الباب اتفتح وخالد دخل، ووراه حماتي وأخته. حماتي كانت داخلة ورأسها مرفوعة وراسمة على وشها ابتسامة النصر والتعالي، فاكرة إنها جاية تستلم التلاجة أو تفرض شروط جديدة بعد ما ابنها حكى لها الجزء اللي يعجبهم.
أول ما دخلت الصالة، بصت لي وقالت بنبرة تهكمية:
—أهو جينا يا سارة عشان نخلص موضوع التلاجة، ونشوف هتنقلوها لإخت جوزك إمتى. ويا رب تكوني عقلتي وعرفتِ إن الست مالهاش غير بيت جوزها وكلمة راجلها.
ابتسمت لها بهدوء وقلت:
—اتفضلوا ارتاحوا يا طنط.. الضيوف على وصول.
حماتي حواجبها اتعقدت وبصت لابنها بغضب:
—ضيوف مين؟ خالد قال لي إننا جايين نتكلم في بيت ابننا وفي وسط عيلتنا! مين جاي تاني؟
قبل ما خالد يلحق يرد أو يبرر، جرس الباب رن. قمت فتحت، وكان بابا وإخواتي الاثنين الرجالة. دخلوا بالهيبة والوقار، وبابا سلم على خالد ونظراته كانت تحذيرية ومكتومة، لأنه كان عارف أطراف المشكلة من المكالمة اللي عملتها معاه الصبح.
أول ما حماتي شافت بابا وإخواتي دخلوا وقعدوا في الصالة، وشه أصفر والابتسامة اختفت تماماً. بصت لخالد بنظرة غيظ وكأنها بتقول له: “إيه اللي أنت عملته ده؟”.
بابا قعد على الكرسي الرئيسي، وبص لخالد وحماتي وقال بصوت هادي وتقيل:
—مساء الخير يا جماعة. سارة بنتي اتصلت بي الصبح وحكت لي على حاجات ما كُنتش أحب أسمعها عن بيت بنتي وعشرة السنين اللي بينكم.
حماتي حاولت تتدارك الموقف بسرعة، وقالت وهي بتبتعد عن التوتر:
—يا أستاذ أحمد، الموضوع بسيط وما يستاهلش نجيب حضرتك وإخواتها. كل القصة إن أخته محتاجة تلاجة، وخالد حبيبه قلبه أخته وقال يبيع تلاجة سارة الجديدة ويجيب لها واحدة.. والتلاجة مش هتطير، سارة هتبقى تجيب غيرها بعدين. يعني كرم أخلاق مش أكتر!
أخويا الكبير قاطعها بصوت حاد وحاسم:
—كرم أخلاق من جيب مين يا طنط؟ من جيب سارة وشقاها وسهرها بالليل في شغلها الإضافي؟ ولا من جيب خالد اللي أخد فلوسها زمان وكتب الشقة باسمه؟
أخت جوزي اتململت في مكانها وقالت بضيق:
—أنا ماليش دعوة يا جماعة، أنا أبيه هو اللي قال لي هجيب لك التلاجة!
هنا وقفت من مكاني، وطلعت ملف الأوراق الموثقة من الشنطة وحطيته بثبات على الترابيزة في نص الصالة قدام بابا وحماتي وخالد.
قلت بصوت واضح يسمعه الكل:
—عشان نكون على بينة، ومحدش يقول كلام ما حصلش.. الملف ده فيه عقد ملكية الشقة دي. الشقة دي انكتبت الصبح باسمي رسمي في الشهر العقاري، بعقد تنازل توثق من خالد، بعد ما قدمنا المستندات البنكية اللي بتثبت إن كل قرش اندفع في البيت ده كان من حسابي الشخصي ومن تحويشة عمري.
حماتي وقفت مرة واحدة وصرخت وهي بتبص لخالد بصدمة ورعب:
—أنت عملت إيه يا خالد؟! كتبت الشقة باسمها؟! أنت اتجننت يا ابن بطني؟ تنازلت عن بيتك للست دي؟!
خالد كان قاعد نكس رأسه في الأرض، مش قادر يرفع عينيه في أمه ولا في بابا. قال بصوت مبحوح ومكتوم:
—يا أمي.. الفلوس كانت فلوسها أصلًا، والمحامي كان هيبيع الشقة للغريب لو ما وقعتش!
بابا حط إيده على الملف، وبص لحماتي وقال بكل كبرياء:
—بنتي ما أخدتش حاجة مش حقها يا أم خالد. بنتي صانت ابنك وسكتت سنين على إن حقها مأكول عشان “منظره قدامكم”. لكن لما الاستهانة توصل لدرجة إنكم عايزين تبيعوا أجهزتها الشخصية وتوزعوا شقاها على قرايبه وكأنه مال سايب، كان لازم يقف عند حده. الشقة دي ملك سارة بقطع القول، والتلاجة دي بفلوس سارة ومش هتحرك من هنا إلا بإرادتها.
حماتي بصت لي بعيون مليانة كره وغل، وقالت وهي بتلم شنطتها وجاكتها:
—بقى كده يا خالد؟ الست دي ضحكت عليك ولوت دراعك وخليتك تفرط في ملكك؟ والله ما أنا قاعدة في البيت ده دقيقة واحدة.. ويلا معايا يا أختك!
وقفت وقبل ما تخرج من الباب، بصيت لها بابتسامة ثبات وقلت لها:
—ده بيتي يا طنط.. وأهلاً بيكي في أي وقت تيجي فيه ضيفة محترمة، لكن كلمة “استحملي” و”عيشي من غيرها” انتهت من القاموس.
خرجت حماتي وأخت جوزي وهما بيحسوا بمرارة الهزيمة، والباب اترزع وراهم. الصالة رجعت هادية، وبابا وإخواتي بصوا لخالد اللي كان قاعد زي الفراخ المبلولة.
بابا وقف وسند على عصايته وقال لخالد:
—الشقة ورجعت لأصحابها يا خالد.. لكن كرامة بنتي وعزتها مش ورق بيتمضي في الشهر العقاري. لو عايز كمل حياتك مع سارة، هتعيشوا أنداد، بالاحترام والأصول.. غير كده، المأذون موجود وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف.
بص خالد لبابا، وبعدين بص لي ونظراته كان فيها خليط عجيب من الانكسار، الغيظ، وإدراك إن سارة القديمة المطيعة ماتت، وتولدت مكانها ست جديدة خالص مش هتعرف تتكسر تاني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى