روايات وقصص

اخویا حكايات رومانى مكرم 2

انتهى العرض، وهرول أحمد إلينا كالسهم، وألقى بنفسه في حضن محمود، ثم ارتمى على قدميه يقبلهما أمام جميع الحاضرين والضباط، وقال بصوت هز مشاعر كل من حولنا: “أنا ابن محمود.. ابن الراجل اللي عملني راجل، ومفيش قوة في الأرض تقدر تغير الحقيقة دي!”

لكن، وفي ذروة تلك الفرحة العارمة، وأثناء خروجنا من باب الكلية والناس تبارك لنا، اقتربت منا سيارة تابعة للنيابة العامة، ونزل منها رئيس المباحث ومعه أوراق جديدة رسمية، وشخص آخر يقف بعيداً يرتدي ملابس رسمية ويحمل ملفاً مغلقاً بشمع أحمر…

اقترب الضابط من أحمد ومحمود، وقال بنبرة جادة للغاية: “الظابط أحمد محمود.. الأستاذ محمود.. فيه أظرف مغلق أتى من النائب العام شخصياً بناءً على الاعترافات التفصيلية الأخيره لسيد وفاتن في السجن.. والملف ده فيه سر خطير هيغير مجرى حياة العيلة دي كلها للابد، ومطلوب حضوركم حالاً لمقر النيابة الكلية!”

خيم الصمتُ التام داخل الشارع الممتد أمام بوابة الكلية. أخذ أحمد نفسًا عميقًا، ونظر إلى محمود الذي اشتدت قبضته على يده، وكأنه يخبره بلسان الحال أنه سيبقى سنده مهما كانت المفاجآت. ركبنا جميعًا سيارة النيابة، وكانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها دهور، حتى وصلنا إلى مكتب المستشار رئيس النيابة الكلية.

دخلنا المكتب، وكان الجو مهيبًا. أشار لنا المستشار بالجلوس، ثم فتح الملف المغلق بالبصمة والشمع الأحمر، ونظر إلينا بوقار واهتمام، وقال وجهًا لوجه لأحمد ومحمود:

“يا أحمد.. التحقيقات النهائية مع سيد وفاتن في السجن أخذت مجرى غير متوقع. لما أدركوا إن الأحكام الصادرة ضدهم بالسجن المشدد نافذة لا محالة، وانهارت كل مخططاتهم، نشبت بينهما مشادة حادة داخل النيابة، ودخلوا في نوبة اعترافات انتقامية تبادلية كشفت عن سر خفي تعمدوا إخفاءه طوال ثمانية عشر عامًا.”

سكت المستشار لحظة، فحبسنا أنفاسنا، ثم واصل كلامه وهو ينظر إلى محمود:

“سيد لما اتجوز فاتن زمان، كان عليه ديون ضخمة واستدان من أشخاص خطرين، وفاتن كانت على علم بده. ولما ولدت أحمد، سيد اتفق مع فاتن إنه يبيع العيل بعقد تبني غير شرعي لرجل أعمال مقتدر محروم من الأطفال مقابل مبلغ مالي كبير يفك بيه ضيقته! وبالفعل اتفقوا على كل حاجة والتسليم كان هيتم بعد أسبوع من الولادة.”

اتسعت عيوننا من الهول، واقشعر بدني، وأكمل النيابة:

“لكن فاتن في لحظة طمع وجشع، قررت تستأثر بالمبلغ لنفسها أو تضغط على سيد، فسبقته وأخذت الولد ورمته على باب بيتك يا مدام، وعملت تمثيلية إنها مش عاوزاه، عشان تقطع الطريق على سيد وتخليه يتبادل الاتهامات معاها. ولما سيد عرف إن الولد عندكِ، خاف إن أمره يتكشف للبوليس، فسكت وساب الولد عندكِ، واختلقوا القصة دي كلها عشان يداروا على جريمتهما الشنيعة اللي هي محاولة الاتجار بشر وليد!”

انهارت دموعي بغزارة وسقطت على ركبتي، بينما انتفض أحمد من مكان هاتفًا بصوت يرتجف من الصدمة: “يعني هما مش بس رموني.. هما كانوا بيتاجروا بيا؟!”

رد المستشار بنبرة حاسمة يملؤها العدل:

“بالضبط يا بني.. والقانون يطلق على هذا الشروع في تجارة البشر والإضرار بطفل مع سبق الإصرار. والجديد في القرار الصادر اليوم من سيادة النائب العام بناءً على هذه الجرائم المكتملة: أولاً، إسقاط الولاية وحرمان سيد وفاتن نهائيًا وأبديًا من أي حقوق مدنية أو نسبية تتعلق بك، وإدراج أسمائهم في السجل الجنائي كبائعي أطفال. ثانياً، وبناءً على تقديم الأستاذ محمود لكافة أوراق الرعاية والدعم وسجل التربية طوال 18 سنة، وتطبيقا لمواد قانون الطفل والأحوال الشخصية المعدلة، تقرر تثبيت الولاية الكاملة والوصاية الرسمية للأستاذ محمود، وتعديل بياناتك الرسمية الصريحة في الأوراق لتصبح الابن المتبنى رعايةً وكفالة شرعية وقانونية كاملة للرجل الذي رباك.”

وقف محمود وجسده يرتجف من شدة التأثر، ولم يستطع السيطرة على دموعه، فنظر إلى القاضي وقال بصوت خنقه البكاء: “يعني أحمد بقى ابني رسمي قدام الدنيا كلها؟ محدش يقدر ييجي يستغله أو يهدده بيا تاني؟”

ابتسم المستشار وقال: “أحمد ابنك بحكم القانون وبحكم ربنا قبل كل شيء يا حاج محمود.. والقضاء النهارده ينحني احترامًا ليك ولزوجتك على الصبر والتربية الصالحة اللي قدمتوها للمجتمع.”

خرجنا من مجمع المحاكم، وكانت الشمس تغرب وتبث ألوانها الذهبية في السماء. استنشقنا الهواء وكأننا نتنفس لأول مرة منذ سنوات طويلة. زالت الغمة، وانكشف الحق، وسُدّت كل الثغرات التي كان الشيطان يتسلل منها ليهدد استقرارنا.

أخذ سيد وفاتن جزاءهما المستحق بسنوات طويلة خلف الأسوار، يتجرعان مرارة الخزي والخيانة والطمع. أما أحمد، فقد عاد إلى كليته مرفوع الرأس، لا يحمل في قلبه أي شك أو ضياع، بل أصبحت قصته مصدر إلهام لكل زملائه وقادته.

مرت السنوات كالبرق، وجاء اليوم الأخير.. يوم التخرج الكبير من كلية الشرطة!

وقفنا أنا ومحمود في الصفوف الأولى للتشريفة. الميدان فسيح، والأعلام ترتفع، وحضر وزراء وقيادات الدولة. وفي لحظة إعلان النتيجة والتعيينات، صعد أحمد إلى المنصة متصدرًا دفعة الخريجين، ليتسلم نوط الامتياز.

حين تسلم أحمد الشهادة وتقليد الرتبة، لم ينظر إلى الصحفيين أو الكاميرات، بل ترجل من المنصة بخطوات عسكرية ثابتة، وتقدم نحو المدرج الذي نجلس فيه. وقف أمام محمود، وأدى له التحية العسكرية الأعمق والأشرف في حياته، ثم خلع كاب الضابط ووضعه فوق رأس محمود أمام جميع الحضور ومكبرات الصوت تنقل الحدث!

انحنى أحمد وقبل يد محمود وقدمه، ثم أخذني في وهو يصرخ بصوت أهتزت له الأركان:

“الرتبة دي.. والبدلة دي.. والشرف ده كله.. ملك الراجل ده والست دي! هما اللي صنعوني، وهما اللي بدوني الحياة.. أنا ابن محمود، وستظل هذه أعظم رتبة أحملها في صدري طول عمري!”

ضجت ساحة الكلية بالبتكير والتصفيق الحار، وبكى الجميع تأثرًا بهذا المشهد المجيد. احتضن محمود أحمد بكل ما أوتي من قوة، ورفع رأسه إلى السماء وقال بصوت ملأ الكون فخرًا: “الحمد لله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.”

عُدنا إلى بيتنا، البيت البسيط الذي شهد أول صرخة لأحمد، وشهد كل قطرة عرق ودموع سُفكت من أجله. دخل أحمد ببدلته الميرية الناصعة، وجلس بيننا في الصالة، وضمني إلى يمينه ومحمود إلى يساره.

أغلقت قصتنا ليس بدمعة حزن أو خوف، بل ببيت أغلقت أبوابه على الحب، والوفاء، والعدل.. بيت أثبت للعالم كله أن الأب ليس من يمنح الاسم فقط، بل من يمنح الروح، والعمر، والقلب.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى