
الموضوع وصل لولادي.
الحاجة الوحيدة اللي كنت بحاول أحميهم منها حصلت فعلًا.
اتصلت بابني فورًا.
رد بصوت مرتبك:
— ماما؟
قلت:
— يوسف قالك هو رايح فين؟
سكت.
قلت بهدوء:
— حبيبي، مش هزعقلك. بس لازم أعرف.
قال:
— قال إنه رايح عند المكان اللي بابا كان بياخده له زمان.
لفيت لخالد.
— مكان إيه؟
وشه اتغير.
قال:
— الكورنيش.
ركبنا العربية.
لما وصلنا، لقيناه قاعد لوحده على سور منخفض، ضامم رجليه لصدره.
نهى جريت عليه.
— يوسف!
لكنه قام ورجع خطوة.
— ماتقربيش.
وقفت مكانها.
خالد قرب.
— يا حبيبي…
يوسف صرخ:
— وإنت ماتقوليش يا حبيبي!
وقف خالد.
الولد كان بيعيط.
— ليه ماقولتليش إنك بابايا؟
محدش عرف يرد.
قال:
— كنت بقول لكل الناس إن بابايا مات.
وبعدين بصلي.
كنت واقفة بعيد شوية.
قال:
— وطنط منى… كانت تعرف؟
نهى قالت بسرعة:
— لأ.
بصلي يوسف.
قلت:
— أنا عرفت النهارده زيك.
فضل ساكت.
وبعدين قال:
— طب أنا عملت حاجة غلط؟
قلبي اتكسر.
قربت منه بهدوء.
— لأ يا يوسف.
— طب ليه كانوا مخبييني؟
قلت:
— لأن الكبار ساعات بيعملوا اختيارات غلط… والطفل هو اللي بيدفع تمنها من غير ذنب.
بصلي.
— ولادك هيكرهوني؟
هزيت راسي.
— لأ.
— بس أنا أخوهم.
قلت:
— وإنت مالكش ذنب في ده.
في اللحظة دي بدأ يعيط أكتر.
ونهى حضنته.
وأنا بعدت شوية.
خالد وقف جنبي.
قال:
— شكرًا.
بصيت له.
— ماتشكرنيش.
قلت وأنا ببص ليوسف:
— أنا عملت الصح مع طفل.
مش معاك.
رجعنا كلنا.
لكن لما وصلت البيت، لقيت ابني مستنيني عند الباب.
أول ما دخلت قال:
— ماما، هو بابا هيسيبنا عشان يوسف؟
حضنته.
وقلت:
— لأ يا حبيبي. مهما حصل بين الكبار، إنتوا مالكمش ذنب.
وبينما أنا بحاول أطمنه…
لقيت بنتي واقفة على السلم.
لفصل الثامن: السؤال اللي وجعني أكتر من الخيانة
بنتي كانت واقفة على السلم، ماسكة في السور بإيديها الصغيرة، وعينيها مليانة دموع.
— ماما… بابا بيحب طنط نهى أكتر منك؟
السؤال دخل جوايا زي السك..ينة.
قربت منها بسرعة، وطلعت السلم لحد ما بقيت قدامها.
قعدت على ركبتي وقلت:
— حبيبتي، اللي حصل بيني وبين بابا موضوع يخص الكبار.
قالت وهي بتحاول تمنع عياطها:
— بس أنا سمعت إن طنط نهى عندها ابن من بابا.
سكت.
ماكانش ينفع أكدب.
وفي نفس الوقت ماكانش ينفع أحط فوق قلب طفلة تفاصيل أكبر من سنها.
قلت:
— يوسف فعلًا أخوكم من بابا.
عينيها وسعت.
— يعني هو هيعيش معانا؟
قلت:
— لسه محدش عارف إيه اللي هيحصل.
قالت:
— وإنتِ هتمشي؟
حضنتها فورًا.
— إنتِ وأخوكي أهم حاجة في حياتي. ومهما حصل، أنا موجودة جنبكم.
نزل خالد من ورايا.
قال:
— وأنا كمان.
بنتي بصت له.
ولأول مرة شفت في عينيها نظرة ما شوفتهاش قبل كده ناحية أبوها.
شك.
قالت:
— طب ليه كدبت علينا؟
خالد فتح بقه.
لكن مفيش كلمة طلعت.
ابني كان واقف قريب مننا وقال:
— بابا… إنت كنت عارف إن يوسف أخونا كل السنين دي؟
قال خالد:
— أيوه.
ابني هز راسه.
— وإحنا لأ؟
— كنت مستني الوقت المناسب.
رد ابني بسرعة:
— عشر سنين مش وقت مناسب؟
بصيت له.
كان عمره صغير… لكن كلامه كان أكبر من سنه.
خالد قعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه.
أنا جمعت الولاد وقعدتهم معايا.
قلت:
— اسمعوني كويس. اللي حصل مش ذنب يوسف. محدش فيكم يعامله وحش، ومحدش يحمّله حاجة عملها الكبار.
بنتي قالت:
— بس طنط نهى غلطت.
قلت:
— آه.
— وبابا غلط؟
بصيت لخالد.
وبعدين قلت:
— آه.
خالد رفع راسه.
واضح إنه ماكانش متوقع إني أقولها بالوضوح ده.
لكن أنا ماكنتش هعلم ولادي إن الكدب والخيانة ممكن نغطي عليهم بكلمة “ظروف”.
بعد ما الولاد ناموا، دخل خالد المطبخ.
قال:
— منى، لازم نتكلم.
قلت:
— اتفضل.
— أنا عارف إني غلطت.
ضحكت من غير صوت.
— عارف دلوقتي؟
— طول الوقت كنت عارف.
— وكنت مكمل.
سكت.
قلت:
— يبقى المشكلة مش إنك ماكنتش فاهم. المشكلة إنك اخترت.
قال:
— أنا لخبطت الدنيا.
— لأ. إنت رتبتها على مزاجك. واحدة في البيت، وواحدة بره، وثلاث أطفال كل واحد فيهم فاكر قصة مختلفة.
قرب مني.
— اديني فرصة أصلح.
قلت:
— أنا مش عارفة إذا كان فيه حاجة أصلًا تتصلح.
قال:
— عشان الولاد.
— بلاش الجملة دي.
— أنا بحبهم.
— الحب لوحده مش كفاية.
سكتنا شوية.
وبعدين قلت:
— بكرة هقابل محامي.
وشه اتغير.
— بسرعة كده؟
بصيت له.
— الخيانة ما بدأتش امبارح عشان تقول بسرعة.
خرجت من المطبخ.
لكن قبل ما أدخل أوضتي، سمعت حماتي بتناديني.
دخلت عندها.
كانت قاعدة لوحدها.
قالت:
— فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها قبل ما تروحي للمحامي.
قلت:
— لسه فيه؟
هزت راسها.
ومدتلي مفتاح صغير.
— افتحي بيه الدرج اللي تحت مكتب خالد في الشركة.
بصيت للمفتاح.
— فيه إيه؟
قالت:
— الورق اللي لو شفتيه… يمكن ما تسامحيش حد فينا.
الفصل التاسع: الدرج المقفول
تاني يوم الصبح، خالد خرج يوصل الولاد المدرسة.
استنيت عشر دقايق.
وبعدين ركبت عربيتي وروحت شركته.
دخلت المكتب كأني رايحة أجيب حاجة عادية.
الموظفين كلهم عارفيني.
ولا حد سألني.
وصلت لمكتب خالد.
قفلت الباب.
وبصيت تحت المكتب.
كان فيه درج صغير عمري ما لاحظته.
دخلت المفتاح.
لف.
الدرج اتفتح.
في الأول لقيت أوراق عادية.
عقود.
صور بطاقات.
وبعدين لقيت ملف رمادي.
عليه اسم:
يوسف ن.
فتحته.
كان فيه إيصالات تحويلات شهرية من خالد لنهى بقالها سنين.
مصروف مدرسة.
علاج.
ملابس.
اشتراك نادي.
مبالغ كبيرة ومنتظمة.
أنا مكنتش زعلانة إنه بيصرف على ابنه.
ده واجبه.
اللي وجعني إن الفلوس دي كانت بتطلع من نفس الدخل اللي كنا بنعمل عليه خطط بيتنا.
وفي مرات كتير، خالد كان يقولي:
— لازم نوفر الشهر ده.
مرة أجلنا تغيير تكييف أوضة الولاد.
مرة رفضنا رحلة كانوا نفسهم فيها.
ومرة أنا بعت دهب قديم عشان نسدد قسط متأخر.
وهو كان مخبي جزء من فلوسنا في حياة تانية.
قلبت الصفحات.
لقيت ورقة أخطر.
عقد إيجار شقة باسم نهى.
وخالد هو الضامن.
والعقد من سنتين.
مسكت الموبايل وصورت كل حاجة.
لكن آخر ورقة كانت هي اللي خلتني أقعد.
وثيقة تأمين على الحياة.
المستفيدين ثلاثة.
ولادي الاتنين…
ويوسف.
قسمة متساوية.
فضلت باصة لها.
الموضوع ماكانش نزوة.
ولا “غلطة” من ثمانية شهور.
خالد كان عامل نظام كامل.
بيأمّن مستقبل ابنه في السر.
ويخبي الحقيقة عني.
سمعت صوت المفتاح في باب المكتب.
دخل خالد.
أول ما شاف الدرج مفتوح، وقف.
بصلي.
وبص للملف.
قال:
— أمي اديتك المفتاح؟
قلت:
— الفرق إيه؟
قفل الباب.
— منى، التحويلات دي عشان يوسف. هو ابني.
— وأنا اعترضت إنك تصرف عليه؟
سكت.
قلت:
— أنا بس بسأل ليه كان لازم كل ده يبقى في السر؟
— لأنك لو عرفتي من الأول…
— كنت ممكن أختار.
الكلمة دي خلته يسكت.
قلت:
— دي مشكلتك يا خالد.
إنت ما اديتنيش الاختيار.
إنت قررت بالنيابة عني إني لازم أفضل مراتك، سواء الحقيقة تناسبني أو لأ.
قال:
— خفت تسيبيني.
قلت:
— يبقى عرفت إن الحقيقة كان ممكن تخسرّك… فكدبت.
حاول يقرب.
رجعت خطوة.
قلت:
— الشقة دي ليه؟
بص للعقد.
— عشان نهى ويوسف كانوا مهددين يسيبوا البلد.
— وإنت كنت بتروح لها؟
سكت.
— بسألك.
قال:
— أوقات.
— وإيصال الموتيل؟
غمض عينه.
— غلط.
قلت:
— لا. الغلط بيحصل مرة. إنما ده نظام حياة.
جمعت الورق.
قال بسرعة:
— إنتِ واخدة الملفات دي فين؟
قلت:
— عند المحامي.
مد إيده يمنعني.
وقفت وبصيت له في عينه.
— جرّب تمنعني.
سحب إيده.
خرجت.
روحت مباشرة لمحامية رشحتهالي صاحبتي.
حكيت لها كل حاجة.
قالتلي:
— أول حاجة تعمليها، ماتمضيش على أي ورقة. وما تتنازليش عن أي حق تحت ضغط أو عشان “نحلها ودي”.
قلت:
— أنا مش عايزة أنتقم.
قالت:
— وأنا مش بقولك انتقمي. أنا بقولك اعرفي حقوقك قبل ما تقرري.
رجعت البيت قبل المغرب.
لقيت نهى مستنياني قدام العمارة.
نزلت من عربيتها.
قالت:
— لازم نتكلم لوحدنا.
قلت:
— اتكلمي.
قالت:
— خالد قالك كل حاجة؟
نهى هزت راسها.
— لأ.
بصيت لها.
قالت:
— فيه حاجة خالد نفسه مايعرفهاش.
وساعتها طلعت من شنطتها ظرف أبيض.
ومدتهولي.
— يوسف مش ابن خالد.
الفصل العاشر: الحقيقة اللي أنهت كل شيء
فضلت باصة لنهى.
وبعدين بصيت للظرف.
قلت:
— إنتِ بتقولي إيه؟
قالت:
— افتحيه.
فتحت الظرف.
كان فيه تحليل نسب قديم.
قريت الأسماء.
اسم نهى.
اسم يوسف.
واسم راجل تاني.
مش خالد.
رفعت عيني.
— مين ده؟
قالت:
— سامر… الشخص اللي اتجوزته عرفي فترة قصيرة بعد ما أهلي رفضوا خالد.
سكتت شوية.
— الحمل كان منه.
ماكنتش فاهمة.
— وخالد؟
قالت:
— كان فاكر إن يوسف ابنه.
— عشر سنين؟
هزت راسها.
— عشر سنين.
قلت:
— وإنتِ سبتِه فاكر كده ليه؟
بدأت تعيط.
— لما سامر عرف بالحمل، اختفى. وأهلي كانوا هيموتوني من العار وقتها. وخالد كان الشخص الوحيد اللي وقف جنبي.
قلت:
— فقلتي له إن الطفل ابنه؟
— أنا ما قلتش صراحة.
ضحكت بمرارة.
— أسوأ.
قالت:
— سبت الأمور تمشي.
— وخدتي منه فلوس عشر سنين.
سكتت.
— وسكن.
سكتت أكتر.
قلت:
— ودخلتي بيتي.
بدأت تبكي.
— في الأول كنت بقول لنفسي إن ده حق يوسف لأن خالد اعتبره ابنه. وبعدها الموضوع خرج من إيدي.
قلت:
— وإيه اللي رجعك لخالد بالشكل ده؟
مسحت دموعها.
— أنا خفت يعرف الحقيقة ويبعد عن يوسف. وفي نفس الوقت… مشاعري القديمة رجعت.
قلت:
— يعني بدل ما تصلحي كدبة، بنيتي فوقها خيانة.
ما ردتش.
سألتها:
— خالد عارف التحليل ده؟
— لأ.
خدت الورقة منها.
دخلت البيت.
خالد كان قاعد مستنيني.
قال:
— كنتِ فين؟
حطيت الظرف قدامه.
— اقرأ.
فتح الورقة.
كل ما عينه نزلت في السطور، وشه اتغير.
قرأ الاسم.
رجع لأول الصفحة.
قرأ تاني.
قال بصوت واطي:
— ده إيه؟
قلت:
— الحقيقة.
فضل ساكت.
وبعدين بص لنهى اللي دخلت ورايا.
— يوسف مش ابني؟
نهى كانت بتعيط.
— خالد…
صرخ:
— مش ابني؟!
قلت بسرعة:
— صوتك مايعلاش. الولاد فوق.
وقف مكانه.
إيده كانت بتترعش.
قال لنهى:
— عشر سنين؟
— أنا آسفة.
— أنا ربيت ابنك عشر سنين في سري!
قالتها وهي بتعيط:
— هو بيحبك كأب.
قال:
— وإنتِ استخدمتي ده.
وقتها شفت حاجة غريبة.
الرجل اللي خدعني…
كان هو كمان مخدوع.
لكن ده ماكانش بيمسح اللي عمله.
ولا كان بيحول الخيانة لشيء مقبول.
دخلت بينهما وقلت:
— كفاية.
خالد بصلي.
قال:
— منى… أنا كنت فاكر…
قاطعته:
— عارفة.
— يعني كل اللي عملته كان عشان ابني.
قلت:
— الفلوس آه. رعايتك ليوسف آه.
وسكت لحظة.
— لكن وجودك في أوضة موتيل مع نهى مالوش علاقة بالأبوة.
سكت.
قلت:
— ماتخلطش جريمتها في حقك بغلطك في حقي.
قعد.
ولأول مرة شفته مكسور.
نهى قالت:
— أنا همشي.
قلت:
— قبل ما تمشي، يوسف لازم يعرف الحقيقة بطريقة تحافظ على نفسيته. ومن خلال مختص لو احتاج.
خالد رفع راسه.
— يعني أنا خلاص ماليش علاقة بيه؟
قلت:
— دي مش إجابتي أنا.
يوسف عنده عشر سنين وبيعتبرك أبوه.
الحقيقة البيولوجية حاجة…
والعلاقة اللي بنيتها معاه عشر سنين حاجة تانية.




