عام

حكايات زهره الربيع 1

الصالة كلها سكتت. السكوت كان تقيل ومخيف.

سماح كانت باصة للصور وعينها هتطلع من مكانها، السلسلة الدهب اللي كانت بتتباهى بيها بقت جنب صورة الغويشة زي حتة سلك ملهاش أي قيمة.

نبوية بدأت تتلعثم، وصوتها المستفز اختفى تماماً وحل محله صوت مبحوح مرعوب: “مـ.. ملايين؟ يعني إيه؟ ستك كانت شايلة الثروة دي كلها في إيدها وتقولنا دي خردة؟”

هنا بصيت لبابا.. بابا رفع راسه لأول مرة من سنين. عينيه كانت متوسعة بذهول مش مصدق، وشفايفه بتترعش.

رديت بصوت هادي، بس كان يرن في الصالة زي حد السيف:

“ستي مكنتش خرفانة يا عمي.. ولا كانت عبيطة زي ما كنتم بتقولوا. ستي كانت أذكى منكم كلكم. كانت عارفة إن الدهب اللي إدتهولكم هيتوزع وتتصارعوا عليه وتخلصوه في كلام فارغ، بس القطعة دي إدتهالي أنا.. عشان كانت عارفة إنكم هتتريقوا عليها وتسيبوها في إيدي، ومحدش فيكم هيطمع فيها عشان غشاوة الطمع كانت عمياكم عن القيمة الحقيقية.”

نبوية مسكت في جلباب عمي وصصرخت بجلع: “يا حامد! الست دي كانت أمك أنت! الحقنا يا حامد، دي ثروة العيلة كلها! الغويشة دي من حقنا كلنا! دي أمك ضحكت علينا وأدتها للبت دي وهي طفلة ومكنتش فاهمة حاجة! المحكمة ترجعها.. القانون يرجعها!”

عمي بصلها بذهول، وبدأ يتقدم ناحيتي بخطوات سريعة وشبه بيتحايل: “يا نونة يا بنتي.. أحنا أهل، وستك الله يرحمها اكيد كانت قصدها الكنز ده يعيشنا كلنا مرتاحين.. أحنا نبيعها ونقسمها، وأنتِ ليكي النصيب الأكبر، عمك برضه شايل العيلة وأنتِ زي سماح بنتي!”

ابتسمت بسخرية: “زي سماح؟ سماح اللي كانت بتقولي اغسليها ببريل عشان تقشر؟ ولا سماح اللي كانت بتعدل سلسلتها قدام عيني وأنا عندي 10 سنين عشان تكسر بخاطري؟”

سماح صرخت بغيرة وغل مش قادر تستوعبه: “أنتِ كدابة! الورق ده مزور! أنتِ أصلك محاسبة في محل وعاملة الفبركة دي عشان تضايقينا! ستك مكنش حيلتها اللقمة عشان تجيب ملايين!”

في اللحظة دي، بابا وقف.

لأول مرة في حياتي كلها بشوف بابا بيقف في وش عمي ونبوية.

بابا قرب من الترابيزة، مسك التقرير والورق الرسمي المختوم بختم النسر وشعار وزارة الآثار، وبص لعمي وقاله بنبرة جافة وميتة:

“بس يا حامد.. كفاية. أنت ومراتك وبنتك أكلتم حقي وسكت، وكسرتم بخاطر بنتي سنين وكنت ببلع المهانة عشان صلة الرحم.. بس لحد هنا وخلاص. أمي الله يرحمها اختارت، وهي كانت عارفة مين اللي يطمع ومين اللي يصون. بنتي مش هتديك قرش واحد، والأوراق دي بتقول إنها ملكية خاصة باسم نونة.”

نبوية بصت لبابا بذهول: “أنت بتقل أدبك يا مجدي؟ بتعلي صوتك على أخوك الكبير عشان خاطر حتة حديدة؟”

بابا بص لها بنظرة كره عمره ما أظهرها، وقالها: “الحديدة دي كشفتكم كلكم.. وكشفتني أنا كمان قدام نفسي لما سبت بنتي تبكي تحت اللحاف كل عيد بسبب كلامك المسموم.”

أنا مسكت شنطتي، وبصيت لـ شريف جوزي اللي كان واقف ورايا طوال الفترة دي مصدوم ومفتح بؤه، مش قادر ينطق كلمة واحدة.

شريف قرب مني بحذر، ومسك إيدي بصوت ناعم ومختلف تماماً عن نبرته بالليل: “نونة حبيبتي.. معقولة كل ده؟ طب ياللا بينا على البيت عشان نتكلم ونفهم هنعمل إيه في الموضوع ده، وأمي لازم تعرف الخبر السعيد ده عشان تفرحلك..”

سحبت إيدي من إيده ببطء، وبصيت في عينيه بثبات:

“أنت كمان يا شريف.. أمك اللي كانت بتقول على ذكرى ستي بيئة ورخيصة؟ وأنت اللي كنت خايف أكسفك قدام أهلك؟”

شريف اتلعثم وشبه بيعرق: “يا نونة أنتِ فاهمة غلط.. أنا بس كنت.. أحنا متاذيناش يعني، وأمي كانت فاكراها نحاس عادي..”

قاطعته وأنا ماشية ناحية الباب: “القيمة مكنتش في الغويشة يا شريف.. القيمة كانت في مين اللي صانني وأنا ما حيلتيش حاجة، ومين اللي بدأ يشوفني لما بقى في إيدي ملايين. الورق الرسمي اتسجل، والخبراء عينوا حراسة على الخزنة لحد ما المزاد الدولي يتعمل، والقضية مش قضية فلوس.. القضية إن كل واحد فيكم هيشرب من نفس الكأس.”

خرجت من شقة عمي وبابا ماشي جمبي وضاحك لأول مرة، وسبت ورايا الصالة ولعانة نار.. نبوية بتصرخ في عمي، وسماح بتبكي بغل، وشريف عمال يجري ورايا في السلم وبيترجاني أقف أسمعه.

بس المفاجأة الكبيرة المربكة.. كانت مستنياني تحت العمارة؛ عربية سودة فخمة جداً واقفة، ونزل منها راجل ببدلة أنيقة ومعاه المحامي الخاص بدكتور ونيس ورئيس هيئة الآثار.. والراجل ده كان شايل في إيده وصية قديمة جداً ومفتوحة، ومكتوب عليها بخط إيد ستي من 20 سنة!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى