
محمود بصلي وقال بصوت هادي بس مليان راحة لأول مرة من أسبوعين: “حقك وحق بنتك بقوا في جيبك يا فاطمة.. محدش يقدر يرمي عليكِ كلمة بعد النهاردة، ولا يقدر مخلوق يخرجك من باب البيت ده.”
أنا اتنهدت تنهيدة طويلة حسيت إنها طلعت معاه سنوات القهر والغربة اللي عشتها لوحدي. بس الفرحة مكنتش كاملة، لأن السكوت اللي نزل على الدور الأرضي مكنش سكوت سلام.. كان سكوت الأفاعي قبل الهجوم.
مرت ثلاثة أيام.. الجو في البيت كان شتيمة مكتومة. عبير مكنتش بتخرج من شقتها نهائيًا، وحماتي بقت تقعد في صالة الدور الأرضي ساكتة، تبصلي لما أنزل اشتري حاجة بنظرات تنقط سم كأنها بتقول: “أخدتي ابني وكسرتي كلمتي يا فاطمة.”
وفي اليوم الرابع، قرر محمود ينزل البندر عشان يخلص أوراق مشروع الورشة الصغيرة اللي قرر يفتحها بنفسه بفلوسه اللي وفرها، بعد ما ألغى التأشيرة نهائيًا وقرر يقعد جنبنا.
أول ما محمود خرج من باب الشارع وصوت عربية التاكسي بعد، حسيت إن البيت دخل في ظلام غريب. مريم كانت بتلعب بالكراسة والألوان في صالة شقتنا فوق، وأنا دخلت المطبخ أجهز الغدا.
وفجأة.. سمعنا صوت كراكيب ورزع جامد جاي من ناحية المنور والسطح، وصوت مية بتجري بمدينة!
خرجت من المطبخ تجري، لقيت المية نازلة من سقف السقف بتاع الصالة فوق المروحة الخشب، مية سودا وريحتها زفرة ومجاري، وبتنزل بغزارة على الكنبة والفرش والأوراق!
صرخت ومسكت مريم أبعدتها عن المية، وطلعت تجري على سلم السطح عشان أشوف إيه اللي بيحصل فوق. أول ما فتحت باب السطح، لقيت المصيبة!
عبير كانت واقفة جنب خزان المية الكبير بتاع السطح، ماسكة عتلة حديد في إيدها، وكانت كاسرة المواسير العمومية اللي موصلة لشقتي أنا بس، ومفتحة طبات المجاري وبترمي فيها أكياس زبالة وقماش عشان تسد الصرف وتخلي المية الطافحة تنزل على سقف شقتي أنا بالذات وتغرق السقف بالكامل!
عبير لما شافتني طالعة، ما خافتش ولا استخبت.. لفت بوشها المليان زرقان من العض، وابتسمت ابتسامة مجنونة وهي ماسكة العتلة في إيدها وتقول بصوت واطي وخبيث: “فاكرة نفسك أخدتي الشقة وكسرتينا يا فاطمة؟ والله لأخلي العفن يأكل حيطانك، وأخلي الشقة دي ما تنفعش للعيش، ولأخليكي تشادي في المية الوسخة إنتي وبنتك!”
أنا دمي غلي، وقلت بصوت حاد: “إنتي اتجننتي يا عبير؟! بتخربي البيت اللي أ جوزك وأخوه تعبوا فيه؟ دي تصرفات واحدة عاقلة ولا واحدة مريضة؟!”
عبير رفعت العتلة الحديد في وشي وقربت خطوات وهي بتجز على سنانها: “أنا مريضة بيكِ يا فاطمة! من يوم ما دخلتي البيت ده وأنتي عاملة فيها الطاهرة البريئة، ولما محمود جه من السفر عملتيه أسد علينا! الشقة دي مش هتهني بيها، والتنازل اللي كتبه فاروق هخليه يبله ويشرب ميته، لأن البيت ده أنا هحرقه هحرق قلوبكم!”
وفجأة.. عبير قامت زاقة برميل المية المليان زبالة ومية ملوثة ناحية باب السلم، والمية بدأت تنزل زي السيل على السلم وتغرق الدورين!
أنا ما مسكتش نفسي، وجريت عشان أمنعها تكسر باقي مواسير الغاز اللي جنب الخزان، لكن عبير رفعت العتلة الحديد وضربت بيها على القفص الصاج بتاع الغاز.. وسمعنا صوت هسيس حاد وريحة غاز طالعة بغزارة في جو السطح!
عبير نفسها اتخضت لما سمعت صوت الغاز البيخرج بقوة، بس الجنون كان راكبها، وما لحقتش تتراجع.. لأنها وهي بترجع لورا بخوف، رجلتها اتعبلت في سلك الكهرباء العريان الموصل لموتور المية، والسلك كان ملموس من المية المكبوبة على الأرض!
في ثانية واحدة.. عبير صرخت صرخة رعب هزت حارة الحاج جاد كلها: “الحقنييييي يا فاروووووق!”
الكهرباء مسكت في المية اللي واقفة فيها عبير، وشرار النار طلع من سلك الموتور وقرب من الغاز المتسرب.. والسطح كله اتقلب في ثواني لكتلة من الدخان والشرار والمرعب!
أنا اتسمرت في مكاني من الهول، ومريم تحت كانت بتصرخ بصوت يقطع القلب وهي شايفاني فوق في وسط الدخان!




