
كنت بمر من قدامهم وكأني مش شايفاهم، أصل الشجرة المثمرة هي بس اللي تترمى بالطوب. بس الغل لما بيسكن القلوب، بيعمي العيون عن الحلال والحرام.
في يوم أربع، ورجعت من الشغل بدري ساعة عشان ألحق أعمل الغدا للأولاد وأذاكر لأحمد. خرجت من الميكروباص ودخلت الحارة، لقيت الناس واقفين يتودودوا وبيبصوا لي بنظرات غريبة. قلبي انقبض ورجلي شالتني بصعوبة لحد العمارة. طلعت السلم بسرعة، ولما وصلت لقصاد شقتي، لقيت المفاجأة اللي نزل عليا زي الصاعقة.
كالون الباب اتغير!
حطيت المفتاح في الباب، المفتاح مش راضي يلف ولا يدخل. حركت الأكرة يمين وشمال، الباب مقفول بالترباس من جوه والكرابيج متغيرة. قعدت أخبط بأيدَي الاثنين بصوت عالي:
“سامح! افتح الباب يا سامح! افتح البييييت!”
الباب اتفتح ببطء، وخرجت منه الحجة سعاد وهي ماسكة مسحة في إيدها، وبصت لي بابتسامة نصر صفرا وقالت:
“بتخبطي ليه يا حلوة؟ ما خلاص.. الشقة دي اتقفلت في وشك وفي وش الواد اللي جايباه معاكي! ابنك سامح غير المفتاح، وشنطتك وشنط هدوم الواد هتلاقيها نازلة لك تحت في الشقة الصغيرة اللي في الملحق.. انزلي عيشي هناك، أو شوفي لك حتة ثانية في الدنيا تلمكم!”
دمي اتصفى من جسمي، وبصيت جوه الشقة لقيت سامح قاعد على الكنبة وبيدخن سيجارته بكل برود، مبصش في عيني حتى ولا كأنه سامع حاجة.
صرخت فيهم:
“أنت عملت إيه يا سامح؟ بتطردني من شقتي اللي شطبتها بفلوسي وبدفع فيها دم قلبي؟ بتغير الكالون في غيابي وتفتح بيتي وأنا مش موجودة؟”
سامح قام وقف ورما السيجارة في الأرض وداس عليها برجله، وقرب من الباب وقال بقسوة:
“أنا طردتك من الشقة الواسعة عشان تعطيها لحسين أخويا ويتجوز فيها زي ما أمي عاوزة. أنتِ اخترتي الواد أحمد وتفضلي فلوسه ومصلحته عليا وعلى عيلتي، يبقى انزلي قعي في الشقة الصغيرة اللي تحت، واصرفي على روحك وعليها من فلوس الورث اللي أنتِ خايفة عليها أوي دي!”
قربت من سامح ومسكت في ياقة قميصه وأنا بجأر بصوتي:
“الشقة دي بتاعتي، وأنا ليا فيها النصف بحكم تشطيبها والأوراق اللي معايا! أنت بتستقوى عليا عشان معيش راجل؟ عشان أبويا مات وسابني أنا وأخويا لوحدنا؟”
الحجة سعاد زقتني بقوة لورا وقالت:
“سيب قميص الراجل يا بت! أعلى ما في خيلك اركبيه.. انزلي خدي شنطك من تحت بدل ما نكسرها لك ونرميها في الشارع! ورجينا بقى المحاكم والقانون هيعملوا لك إيه، العقود باسم ابنك سامح، وأنتِ مالكيش حبة طين هنا!”
وقفت على السلم والدموع محبوسة في عيني، وصدري بيطلع وينزل من الغضب. في اللحظة دي، سمعت خطوات أحمد طالع على السلم، جاري ومسك في رجلي وهو خايف لما شاف الشنط مرمية عند باب الشقة الصغيرة تحت.
بصيت لسامح وأمه، وحسيت إن كل نقطة طيبة أو ضعف في قلبي . مسحت وجهي بأيدي ورفعت رأسي فوق، وابتسمت ابتسامة يرعب منها أي حد.
قولت لسامح وأنا بوزع نظراتي بينه وبين أمه:
“أنت فاكر إن لما تغير الكالون وترموا شنطي تحت تبقوا كسبتم؟ فاكرين إن سمر اللي شالت المسؤولية وهي عندها عشرين سنة هتستسلم لطمعكم؟ أنت يا سامح اللي بدأت وقلت الحرب، وأنا بكرة الصبح هخلي الحارة كلها والعيلتين يعرفوا مين هو سامح ومين هي أمه. والورث اللي عينكم ضربت فيه، هكون بكرة الصبح واقفة بيه قدام النيابة وقاضي المعاملات، وهرفع دعوى تمكين ودعوى إثبات حق تشطيب وشقة، ودعوى عدم تعرض لمال يتيم وقاصر!”
الحجة سعاد وشها جاب ألوان وقالت بتلعثم:
“أنتِ بتهددي بالنيابة والقضا يا سمر؟”
رديت عليها بصوت هز العمارة:
“أنا مش بهدد.. أنا بنفذ! وأول خطوة هعملها دلوقتي، مش هنسحب ولا هجري.. أنا هقعد في الشقة اللي تحت، بشنطي وأخويا، بس وحياة دموع الواد ده وحق أبويا اللي تحت التراب، لأخلي البيت ده يدفع ثمن كل لحظة قهر عشتها النهاردة، والبادي أظلم يا سامح!”
نزلت على السلم وأنا ماسكة إيد أحمد بثبات، وسبتهم واقفين على السلم ووشوشهم زرقاء من الخوف من اللي جاي.




