روايات وقصص

حكايات اسما 3

— بعدها بساعتين وصلتلي صورة شهادة وفاة عمر، والصورة اللي شفتيها، ونسخة من التقرير الطبي.

— مين بعتها؟

كريم قال:

— أنا.

بصيتله.

— إنت؟!

هز راسه.

— من رقم مجهول.

صرخت:

— ليه تعمل كده؟!

قال:

— لأني ما كنتش واثق في آدم.

آدم ضحك بمرارة.

— ولا أنا كنت واثق فيه.

كريم كمل:

— كنت خايف لو قلتله أنا اللي بدور، يقفل الموضوع. وكنت خايف أقولك فتدخلي بينا قبل ما أعرف الحقيقة.

قلت:

— فقررتوا الاتنين تكدبوا عليا؟

محدش رد.

قلت:

— ممتاز.

أخدت شنطتي.

آدم وقف.

— رايحة فين؟

— البيت.

— أجي معاكي.

— لأ.

— اسما…

بصيتله.

— أنا عارفة دلوقتي إنك آدم. وعارفة إنك ما كنتش بتخوني. وعارفة إن فيه مصيبة قديمة كنت بتحاول تفهمها.

سكت لحظة.

— لكن ده ما يمسحش إنك بصيت في عيني أسبوع كامل وكدبت.

قال:

— كنت خايف.

— وأنا كنت مراتك. كان المفروض تخاف معايا، مش مني.

ما عرفش يرد.

خرجت.

عدى أسبوع.

آدم ما ضغطش عليا.

كان في البيت، لكن نام في أوضة الضيوف باختياره.

كل يوم كان يسيبلي مساحة.

لحد ليلة، وأنا قاعدة في الصالة، لقيته حاطط قدامي علبة الدوا.

نفس الدوا اللي بدأ الحكاية كلها.

قال:

— تخيلي لو ما كنتش نسيته اليوم ده.

بصيت للعلبة.

قلت:

— كنت هتفضل تكدب لحد إمتى؟

— لحد ما أعرف الحقيقة.

— وكنت هتقولي؟

— كنت ناوي.

بصيتله.

— بس إنت خدت مني حقي إني أقرر أواجه الحقيقة معاك.

هز راسه.

— عارف.

ولأول مرة ما حاولش يبرر.

قال:

— وأنا آسف.

سكتنا.

وبعدين قعد بعيد عني.

— التحقيق اتفتح رسميًا في ملف الحادثة.

— بعد عشر سنين؟

— اعتراف عمي كفاية لإعادة فحص أجزاء من القضية، والمحامي سلّم كل المستندات.

— وكريم؟

— أدلى بأقواله.

قلت:

— وعمر؟

سكت.

— ثبت إنه هو اللي مات؟

هز راسه.

— أيوه.

بصيت للأرض.

رغم إني ما عرفتهوش، حسيت بحزن غريب عليه.

شاب عاش طول عمره وهو فاكر نفسه شخص تاني.

اكتشف حقيقة ميلاده.

وقبل ما يلحق يبدأ حياة جديدة…

مات.

سألت:

— هو كان ابن خالتي فعلًا؟

آدم قال:

— أيوه. التحاليل النهائية أثبتت ده.

— يعني خالتي ماتت وهي مش عارفة إن ابنها عاش كل السنين دي؟

— للأسف.

دموعي نزلت.

افتكرت نظراتها القديمة.

يمكن كانت حاسة.

يمكن قلب الأم كان بيقول لها إن القصة اللي اتقالت لها مش كاملة.

قلت:

— وعمر كان عارف قبل الحادثة؟

— عرف بأيام.

— وإنت؟

— لأ. هو كان ناوي يقولي ليلة الحادثة.

— علشان كده اتخانقتوا؟

آدم ابتسم بحزن.

— إحنا ما اتخانقناش بسبب الفلوس زي ما كنت فاكر.

— أمال؟

— هو كان عايز يتنازل لي عن نصيبه في الشركة.

بصيتله.

— ليه؟

— لأنه قال إن أبويا رباه وعمره ما حسسه إنه غريب، وإن الفلوس مش هتفرق بينا.

سكت آدم.

— وأنا فهمت كلامه غلط. افتكرت إنه بيلمح إني طماع.

نزلت دمعة من عينه.

— آخر كلام بيني وبين أخويا كان خناقة على حاجة هو أصلًا كان بيحاول يعملها عشاني.

ما عرفت أقول إيه.

مديت إيدي وحطيتها فوق إيده.

مش معنى إن كل حاجة اتصلحت.

لكن معنى إننا ممكن نبدأ.

بعد شوية سألته:

— والرسالة اللي قال فيها “لو قلتلها الحقيقة هتخسرها للأبد”؟

ابتسم لأول مرة.

— كان بتكلم عنك.

— إزاي؟

— عمر كان عارف إني سألت كريم عنك بعد الفرح.

— وبعدين؟

— كان بيهددني بهزار إنه هيقولك إني معجب بيكي.

ضحكت رغم كل حاجة.

— يعني كل الرعب ده وفي الآخر الجملة كانت هزار؟

— أهو دليل إن نص المصايب بتحصل لما نسمع نص الكلام.

بصيتله.

قلت:

— والنص التاني بيحصل لما الأزواج ياخدوا إجازة أسبوع ويقولوا لمراتهم إنهم في اجتماعات.

نزل عينه.

— دي مش هعرف أدافع عنها.

قلت:

— كويس.

بعد شهرين، القضية القديمة اتحولت رسميًا للتحقيق من جديد.

ماكانش ممكن معاقبة سامح لأنه مات، لكن الحقيقة اتسجلت.

اسم عمر اتصحح في الملفات.

واتعمل قبر باسمه الحقيقي.

يوم ما رحنا نزوره، آدم وقف قدام القبر فترة طويلة.

ما اتكلمش.

حط وردة.

وقال:

— آسف إني اتأخرت يا أخويا.

وقفت بعيد وسيبته.

لأن فيه أحزان ما ينفعش حد يدخل بينها وبين صاحبها.

أما أنا وآدم…

ما رجعناش طبيعيين في يوم وليلة.

الثقة لما تتخبط ما بتتصلحش بكلمة “آسف”.

اتكلمنا كتير.

اتخانقنا.

وساعات كنت أفتكر اليوم اللي وقفت فيه موظفة الاستقبال وقالت:

“جوز حضرتك في إجازة من أسبوع.”

وأحس بنفس القبضة في قلبي.

لكن الفرق إن آدم بطل يخبي.

حتى لما المحامي كان بيتصل، كان يقوللي.

لما التحقيق يطلبه، كنت أعرف.

ولما كان يخاف…

بقى يقول:

— أنا خايف.

بدل ما يقول:

— عندي اجتماع.

وفي يوم، بعد حوالي ست شهور، كنت بعمل قهوة في المطبخ.

دخل آدم لابس بدلته وشايل شنطة اللابتوب.

قال:

— أنا نازل.

بصيتله بشك مصطنع.

— على فين؟

وقف.

ابتسم.

— الشغل.

قلت:

— متأكد؟

ضحك.

— ولو حابة أوصلك لحد موظفة الاستقبال تتأكدي، معنديش مانع.

رميت عليه فوطة المطبخ.

ضحك.

وقبل ما يخرج رجع خطوتين.

طلع علبة الدوا من جيبه.

هزها قدامي.

— أخدتها أهو.

ضحكت.

— اتفضل امشي.

باس راسي.

وقبل ما يقفل الباب قلت:

— آدم؟

لف.

بصيتله ثواني.

الراجل اللي قدامي هو نفس الراجل اللي اتجوزته.

لكن الحقيقة إن بعد كل اللي حصل…

إحنا الاتنين ما بقيناش نفس الأشخاص.

قلت:

— خلي بالك من نفسك.

ابتسم.

— وإنتِ كمان.

وقفل الباب.

بصيت لكوباية القهوة في إيدي.

غريب إن حياتنا كلها اتقلبت بسبب علبة دوا اتنسيت جنب ماكينة القهوة.

لو كنت ما شفتهاش…

يمكن أسرار عمرها عشر سنين كانت هتفضل مدفونة.

يمكن آدم كان هيفضل طول عمره مش عارف هو مين.

ويمكن أنا كنت هفضل فاكرة إن الثقة معناها إنك ما تسألش.

لكن اللي اتعلمته كان مختلف.

الثقة مش إنك تصدق الإنسان اللي قدامك مهما حصل.

الثقة إن الشخص اللي بيحبك ما يخليكش محتاج تدور وراه علشان تعرف الحقيقة.

لأن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش إني شكيت إن جوزي بيخوني.

ولا حتى إني اكتشفت سر عمره عشر سنين.

أكتر حاجة وجعتني كانت اللحظة اللي بص فيها في عيني وقال:

“يومي كان صعب… اجتماعات من الصبح.”

وهوه عارف إنه ما دخلش مكتبه أصلًا.

أما أكتر حاجة ساعدتنا نكمل…

فكانت لما وقف قدامي بعدها بشهور وقال:

— لو خفت تاني، مش هخبي عنك. هخاف وإنتِ جنبي.

وساعتها بس عرفت إننا ممكن نبدأ من جديد.

مش لأن الماضي اتصلح.

الماضي ما بيتصلحش.

لكن لأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة…

أرحم ألف مرة من حياة كاملة مبنية على كذبة.

تمت

بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري
ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى