
مصطفى بص في ساعته وقال: باقي عشرين دقيقة يا طارق. لو رجلكم معتبتش برة الباب مع رنة التايمر، المحضر هيروح، وتنسى بقى وظيفتك في شركة المقاولات عشان الصحيفة الجنائية هتفضل منورة بقضية سرقة وخيانة ائتمان.
طارق حس إن كل الحبال اتقطعت، والرجولة المزيفة اللي كان لابسها إمبارح وهو بيتبغدد بالتلاجة ساحت كأنها حتة زبدة على نار حامية. لف وشه من غير ما ينطق ولا كلمة، ومشي بخطوات مكسورة ناحية أوضة النوم عشان يلم هدومه. فتحية جريت وراه الأوضة، وقفلت الباب وراهم، ومن ورا الخشب كان صوت همسها العالي وزعيقها المكتوم طالع: شوفت أهو؟ شوفت أخرة عمايلك السودة؟! مش قولتلك استنى لما نسجل الشقة باسمك الأول؟ أهو رمتك رمية الكلاب وفضحتنا قدام إخواتها!
طارق رد عليها بقهرة وغيظ: أنتي اللي قولتيلي اتقل واكسر عينها من أول يوم عشان متطلبش مصاريف زيادة وتشتغل وتصرف هي! أنتي اللي ورطتيني في سحب الفلوس بتاعة ورشة وائل وعربية سحر!
برة في الصالة، نيرة قعدت على الركنة بتعب، أحمد جابلها كباية مية دافية وحط إيده على كتفها بحنية: ارتاحي يا حبيبتي، خلاص الكابوس بيخلص، وراسك تفضل مرفوعة دايماً.
الحاج عبد الحميد قرب منها وباس راسها: بناتك هيكبروا وسط رجالة يشيلوهم على كفوف الراحة يا نيرة، ومفيش حد يقدر يذلهم بلقمة عيش ولا شربة مية طول ما فيا نفس.
نيرة مسحت دمعة يتيمة كانت هتنزل من عينها وقالت بقوة: أنا مش زعلانة عليه يا بابا، أنا زعلانة على الأيام اللي صدقته فيها، بس الحمد لله ربنا نجاني ونجى بناتي قبل ما نغرق أكتر من كده.
بعد ربع ساعة، باب الأوضة اتفتح. خرج طارق جارر شنطة سفر سودا كبيرة، وشايل في إيده بدلة في كيس بلاستيك. وراه كانت فتحية شايلة شنطتين هاندباج مليانين على أخرهم، وحاطة على كتفها ملاية سرير كانت نيرة شرياها من جهازها! نيرة أول ما شافت الملاية، رفعت حاجبها وقالت باستهزاء: حتى ملايات جهازي يا حاجة فتحية؟ رخيصة للدرجة دي؟
فتحية وشها احمر ونزلت الملاية على الأرض من غير ما تنطق، وزقت الشنط لقدام. أحمد وقف قدامهم وقال بصرامة: افتح الشنط دي يا طارق.
طارق صرخ بقهر: جرى إيه يا أحمد؟! هدومي كمان هتفتشوها؟ إيه الإهانة دي!
أحمد بصله من غير ما يرمش: اللي مد إيده في حساب بنكي مش بتاعه وسرق ربع مليون جنيه، ما يتأمنش على دهب أخته ولا أوراق بنته. افتح الشنطة بدل ما أفتحها أنا بطريقتي.
طارق قعد على ركبه في الأرض بإذلال تام، فتح السوستة بتاعة الشنطة الكبيرة. أحمد قلب في الهدوم بسرعة، ومصطفى فتش شنط فتحية. طلعوا منها علبة برفان غالية كانت بتاعة نيرة، والساعة اليد الفضة اللي كانت هدية من والدها، رموهم على الترابيزة من غير كلام، وطارق باصص في الأرض وعينيه مفيهاش ذرة كرامة باقية.
الأستاذ وحيد وقف وطلع إيصال أمانة على بياض، ومعاه ورقة تانية مطبوعة: أستاذ طارق، الفلوس اللي اتسحبت دي هتترد في خلال ست شهور، كل شهر تدفع قسط في البنك في حساب نيرة، وهتمضي هنا على التعهد ده وإيصال الأمانة ده كضمان، مع التنازل التام عن أي حقوق أو ادعاءات في الشقة دي، وقضية الطلاق للضرر هتترفع في ميعادها وتتنازل عن حضانة البنات بدون شوشرة، وإلا محضر السرقة جاهز يتسلم للنيابة العصر.
طارق مسك القلم بإيد بتترعش، بص لأمه اللي شاحت بوشها بعيد كأنها متعرفوش، وبص لنيرة اللي كانت بتبصله بجمود كأنه جثة هامدة مفيش فيها روح. مضى على الورق، وبصم عليه بإبهامه، ورما القلم على الترابيزة.
الحاج عبد الحميد شاور على باب الشقة المفتوح: مع السلامة… والباب اللي يتقفل وراكم ميفتحوش غير اللي يستاهل يعتب عتبته.
طارق سحب شنطته، وأمه مشيت وراه تسب وتلعن تحت سنانها، وأول ما نزلوا على السلم، أحمد رزع باب الشقة وراهم رقعة سمعت في العمارة كلها، ولف المفتاح تكتين.
نيرة غمضت عينيها، وحست براحة مفيش بعدها راحة، كأن هواء نقي دخل صدرها لأول مرة من سنين. فجأة، من الأوضة التانية، طلع صوت بكاء التوأم الصغيرين، فريدة وجميلة صحيوا من الدوشة وجعانين. نيرة قامت وقفت براحة، وبصت لأبوها وإخواتها بابتسامة حقيقية: البنات صحيوا… هروح أرضعهم، والحمد لله إنهم صحيوا على نضافة.
دخلت الأوضة وشالت فريدة وبدأت ترضعها، وأحمد ومصطفى دخلوا المطبخ. مصطفى بص للتلاجة الجديدة اللي لسه واقفة بنصبتها، وبص لأحمد: هنعمل إيه في التلاجة دي يا أحمد؟ نيرة مش هتطيق تبص في وشها بعد اللي حصل.
أحمد ابتسم بمكر: التلاجة دي مدفوع تمنها من دم نيرة، يعني حلال عليها وعلى بناتها… بس عشان نرد الإهانة صح، التلاجة دي هتتنزل المعرض بتاع الأجهزة المستعملة العصر وتتباع، وفلوسها هتتحط وديعة باسم فريدة وجميلة في البنك، وتلاجة نيرة القديمة هتملاها لحمة وفاكهة وخير لحد ما تفيض، عشان يعرفوا إن بيت عبد الحميد بناته ميتذلوش بلقمة.
في الشارع تحت، كان طارق واقف جنب تاكسي، أمه ركبت من ورا وهي بتولول وبتلطم على حظها، وهو واقف يرمي الشنطة في الشنطة وبيبص لفوق على بلكونة الدور التالت. الشيش كان مقفول، والشمس طالعة بتنور الشارع، بس جواه كان ضلمة عميا. تليفونه رن في جيبه… كان رقم مديره في شركة المقاولات! طارق رد بصوت مبحوح: ألو… أيوة يا باشمهندس؟
صوت المدير كان عصبي وجاف: أنت فين يا طارق؟ مجيتش الشغل ليه؟ وفي حسابات ودفاتر عهدة فيها عجز في موقع أكتوبر محتاجين نراجعها معاك فوراً قبل ما نبلغ الإدارة القانونية، تيجي حالا على الشركة!
طارق قفل المكالمة والدنيا لفت بيه… المشاكل مكنتش بتنتهي، دي كانت يادوب بتبدأ، والمصايب اللي زرعها في حياته بدأت تحصد خيبتها كلها في يوم واحد. ركب جنب السواق ودموعه نزلت لأول مرة بقهر وندم ملهوش تمن، والتاكسي اتحرك بيه لدنيا تانية مفيهاش لا نيرة ولا فلوسها ولا عز بناتها.
فوق في الشقة، نيرة كانت قاعدة على السرير، حاطة البنتين في حضنها، بتبص لملامحهم البريئة والسكينة مالية المكان. حست بوجع عمليتها بيهدى، كأن روحها كانت هي اللي محتاجة تخف وتتطهر من اللي كان محاوطها. الباب خبط بالراحة، ودخل الأستاذ وحيد ومعاه فنجان قهوة الحاج عبد الحميد عملهوله: مدام نيرة، خطوتنا اللي جاية مش هتكون سهلة، طارق مش هيسكت لما يفوق من صدمته، وأهله مش هيبطلوا محاولات… إحنا بدأنا، ولازم تكوني جاهزة للي جاي، لأن فتحية مش من النوع اللي بيستسلم بسهولة.
نيرة رفعت عينيها وبصت للمحامي، وابتسمت ابتسامة هادية وثابتة: وأنا مش من النوع اللي بيسيب حقه يا متر… طارق وأمه لسه مشافوش مني حاجة، واللي افتكروه نهاية الحكاية، مكنش إلا أول سطر في حسابي معاهم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




