
رديت على الرقم الغريب، والذهول تملكني لما سمعت الصوت. كان صوت راجل كبير بس نبرته متزنة ورزينة، وقال لي:
— السلام عليكم يا بنتي.. أنا الحاج عبد الجواد، أخو الحاج الكبير اللي كان عندكم في البيت من شوية، وعم خطيبك.
مسكت التليفون بقوة وقلت بتردد:
— وعليكم السلام يا حاج.. خير؟ فيه حاجة تانية؟
قال بصوت فيه تأسف شديد:
— الخير عندك يا بنتي.. أخويا لما نزل من عندكم كان دمهم فوراني، وحكى لي المهزلة اللي حصلت. أنا اتصلت بيكي عشان أعتذر لك ولأبوكي الراجل الطيب اللي اتظلم في بيته، وعشان أقول لك إن الحق ما يضيعش أبداً.
سكت ثواني وكمل كلامه بلهجة جادة جداً:
— أم خطيبك وابنها افتكروا إن أخويا بس اللي غضب عليهم، وما يعرفوش إن الحركة اللي عملوها دي كشفت بلاوي تانية كتير كانت متدارية. ابننا مش بس خد الذهب منك وضحك عليكي، ده كان عامل نصباية كبيرة في شغل العيلة ومطلع قرشين من ورانا بحجة إنه بيجهز نفسه وبيشتري شبكة غالية!
قلبي دق بسرعة وأنا بحاول أستوعب كلامه، فكمل:
— اليومين اللي فاتوا كنا شاكين في حسابات المحل، ولما أخويا جه حكى لي اللي حصل مع أختك والشهادة اللي أختك طلعتها بالصوت والصورة، فتحنا الخزنة قدامه.. ولقينا المفاجأة! الذهب بتاعك ما كانش في الخزنة أصلًا!
صرخت بالراحة من الصدمة:
— يعني إيه ما كانش في الخزنة؟! أومال وداه فين؟!
قال الحاج عبد الجواد:
— الأستاذ كان بايع الذهب بتاعك من أسبوع، ورايح حاطط الفلوس عربون في حتة أرض باسمه هو وأمه من غير ما حد يعرف! وكان مأمل إنه لما ييجي يتخانق معاكم على الفتة واللحمة ويشتم في أصولكم، هتردوا عليه فتفسخوا الخطوبة، ويطلع هو الضحية قدام العيلة ويقول “إنكم أكلتم شبكته وما رضيتوش ترجعوها”!
أنا اتسمرت مكاني. كأن حد ضربني على دماغي! يعني القصة كلها من أول زيارة الموسم، لطلب الفتة واللحمة والكبده، للإهانة والقلة الأدب أمام أبويا.. كانت تمثيلية ملعوبة بذكاء خبيث عشان يطفشونا، ويغطوا على سرقته للذهب وبيعه، ويبان هو وأمه مظلومين قدام العيلة ويطلعوا بسبوبة الأرض!
أبويا كان قاعد جمبي، شايف وشي بيتقلب وألواني بتتغير، مسك إيدي وقالي بصوت مرعوب:
— فيه إيه يا بنتي؟ مين ده وبيقول إيه؟
حطيت التليفون على السبيكر عشان أبويا وأختي يسمعوا.
كمل الحاج عبد الجواد كلامه وقال:
— يا حاج.. أنا بكلمك وبشهد ربنا إن ابننا طلع ما يستاهلش نسبكم، وحقكم عندنا مرفوع. أخويا الكبير جمع العيلة كلها دلوقتي في المضيفة، والأستاذ وأمه قاعدين وسطنا وشهم في الأرض زي الفراخ المبلولة بعد ما واجهناهم ببيانات الصاغة وبكتب العقد بتاع الأرض.
أبويا دمعت عينه بس المرة دي كانت دموع الفرج، وقال للتليفون:
— الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. ربنا كشفهم ورد اعتبارنا من غير ما نرفع إيدنا.
قالي الحاج عبد الجواد:
— حقك المالي كاملاً هيوصل لحد باب بيتك بكرة الصبح مع عربية العيلة، والذهب هيترد قيمته كاش فلوس ونقدية بالمليم وعلى الداير، ورجالة العيلة هتيجي تبوس رأس الحاج أبوكي وتعتذر له قدام الحارة كلها.. بس أنا بتصل بيكي عشان طلب واحد يا بنتي.
قلت له وأنا ماسكة نفسي بالعافية:
— طلب إيه يا حاج؟
قال بصوت صارم:
— ابننا وأمه فاكرين إن الموضوع هينتهي على قد رجوع الفلوس والاعتذار.. بس إحنا عرفنا إنك كنتِ سجّلتِ المحادثات والرسائل اللي بعتها ليكي وهو بيهدد أبوكي وبيتهمكم بالسرقة. أنا عايزك تحتفظي بالحاجات دي، لأن بكرة في القعدة العائلية الكبيرة، هيبقى فيه قرار هيتاخد ضدهم هيغير حياتهم كلها، ومحتاجين دليلِك ده عشان ما يعرفوش يفتحوا بقهم بكلمة واحدة!
أختي بصت لي وابتسمت ابتسامة انتصار وقالت وهي بتهز رأسها:
— بكرة حقنا هيرجع تالت ومتلت يا بابا.. والظالم هيترد له عمله.
قفزت من على السرير، وقفلت المكالمة وأنا حاسة إن جبل كان شايلاه على صدري وانزاح. بكرة مش بس هاخد حقي وحق شقا أبويا.. بكرة هشوف بنفسي نهاية الطمع والافتراء لما يتقلب على أصحابه قدام العيلة كلها!
وقعدت استنى الصبح بفارغ الصبر، وأنا مش عارفة إن المفاجأة اللي هتحصل بكرة في قعدة الاعتذار، أكبر بكتير من مجرد رد الفلوس!
يتبع… الجزء الأخير
طلع الصباح، والشمس كانت طالعة صافية وكأنها بتغسل القهر اللي عشناه امبارح.
على الساعة 12 الظهر، سمعنا صوت حافلة وعربيتين واقفين تحت البيت. الحارة كلها اتجمعت تتفرج لما نزل منها الحاج الكبير عبد المجيد ومعاه الحاج عبد الجواد وكبار العيلة، وطالعين سلم بيتنا برزانة وهيبة. وراهم كان طالع خطيبي وأمه، لكن وشم كان أصفر، ورأسهم في الأرض، وماشين زي المسجونين اللي رايحين لمنصة الحكم.
فتحنا الباب، ودخلوا الصالة. الحاج عبد المجيد اتجه مباشرة لأبويا، ومسك إيده الاثنين، وباس رأسه قدام الكل وهو بيقول بصوت هز المكان:
— حقك عليا يا حاج.. سامحني على لحظة غضب اتخدعت فيها بباطل. البيت ده بيت أصول وعز، واللي يقل من قدره يقل من قدرنا كلنا.
أبويا دمعت عينه من شدة التأثر، ومسك إيد الحاج وقال بكرامة:
— المسامح كريم يا حاج، وأنا حق كرامتي وكرامة بناتي وصل لما دخلتم بيتي مقدرين.
قعد كبار العيلة، والهدوء نزل على الصالة. طلع الحاج عبد الجواد شنطة من إيده، وحطها على السفرة قدام أبويا وقفلها مفكوك.
— دي قيمة الذهب كاملاً نقدية وبزيادة كاش، ودي المصاريف اللي ابننا اتسبب فيها، وحقك المالي كاملاً مكمل بالمليم.
خطيبي رفع رأسه بالراحه وكان هيتكلم أو يحاول يبرر، لكن الحاج عبد المجيد بص له بنظرة قاطعة شلت لسانه، وقال:
— القعدة دي مش بس عشان نرد الحقوق.. القعدة دي عشان نطهّر عيلتنا من الخيانة والأذى.
وبصلي الحاج عبد الجواد وقال:
— طلّعي الدلائل يا بنتي.
طلعت تليفوني وتشغّلت الرسائل والتسجيلات الصوتية بصوت عالي قدام رجالة العيلة كلهم. صوت خطيبي وهو بيخطط لبيع الذهب، وصوته وهو بيطلب الفتة واللحمة ويمهد للخناقة، وصوت أمه وهي بتؤمر وبتهدد.. كل كلمة نزلت عليهم زي المطرقة!
الحاج عبد المجيد قام وقف وبص لأم خطيبي وخطيبي وقال بصوت صارم حاسم:
— بقى تعملوا اللعبة الخسيسة دي عشان تبيعوا ذهب الأمانة وتكتبوا بيه أرض باسمكم؟ وتيجوا تظلموا بنات الناس الغلابة وتتبلوا عليهم بالسرقة؟
وبص لخطيبي وقال:
— الأرض اللي كتبتها باسمك وباسم أمك هترجع تتكتب باسم ورثة العيلة كلهم، والمحل اللي كنت شغال فيه مالكش جني فيه بعد النهارده، ومصروفك وإدارتك للفرع اتلغت تماماً. وهتشتغل عامل بسيط تحت إيد عمك لحد ما ترجع كل قرش اختلسته من العيلة!
أم خطيبي صرخت وقالت:
— يا حاج ده ابنك! حرام ترميه كده عشان ناس غريبة!
رد عليها الحاج عبد المجيد بغضب شديد:
— الناس الغريبة دول أكرم وأجدع منكم! دول صانوا الأمانة وقدموا خيرهم على قد حالهم، وأنتم دخلتم بيتهم بالخديعة والافتراء! الجوازة دي اتلغت نهائياً، ومافيش واحد منكم يجرؤ يقرب من الشارع ده تاني، وإلا هيكون حسابه معايا أنا شخصياً!
خطيبي بصل بكسرة وتوسل، وكان يتمنى لو الكلمة ترجع والزمن يرجع بيه، بس أنا بصيت له بنظرة هدوء وارتياح تام.. ما كانش فيه في قلبي غير شكر ربنا إنه كشفهم قبل ما يتقفل عليا باب واحد معاهم.
أبويا استلم حقه مرفوع الرأس، ورجالة العيلة سلموا عليه بحفاوة واستأذنوا ومشيوا، وسحبوا معاهم خطيبي وأمه وهما يجروا أذيال الخيبة والفضيعة قدام أهل المنطقة كلهم.
قعدت جنب أبويا وأختي، وأبويا حاطط إيده على رأسي وبيدعي لي بالستر والخير. وقتها بس حسيت إن حقي وحق شقا أبويا رجع تالت ومتلت، وإن الكرامة والعزة أهم من أي شيء في الدنيا.
تمت.



