عام

حكاوى رشا 2

“تمام، هبلغه بالشروط دي، وغالباً مش هيكون قدامه أي خيار تاني غير الموافقة، لأنه لو رفض، ملف الشركة المالي هيتعرض للنيابة التجارية بسبب تجاوزات السنة اللي فاتت.”

وفعلاً، لم تمر 24 ساعة أخرى إلا وكانت أوراق التسوية النهائية جاهزة وموقعة. أحمد وافق على كل الشروط، منكسر الإرادة، بعد أن تخلى عنه الجميع وبعد أن وجد نفسه وحيدًا بلا دعم مالي وبلا مكان يقصده. أما سارة، فقد غادرت الشركة نهائيًا بعد أن أقدمت على تقديم استقالتها تحت ضغط نظرات الموظفين والتحقيقات الإدارية التي أظهرت تجاوزات في استغلال صلاحياتها المكتبية.

في يوم توقيع أوراق الطلاق الرسمية أمام الموثق القانوني، دخل أحمد غرفة المكاتب وفي عيونه نظرات انكسار لم أكن أتخيل يومًا أن أراها في رجل كان يتطاول بغرور على من حوله. وقف بعيدًا وقال بصوت خافت ومتحشرج:

“مريم… هل للدرجادي ما كانش ليا أي مكان في قلبك؟ هل كنتي مستعدة تهدي كل حاجة بينا بالسهولة دي؟”

رفعت عيني إليه وأنا أحمل حقيبتي الجلدية بأناقة وثبات، وبابتسامة هادئة قلت:

“يا أحمد، أنا ما هدمتش حاجة.. أنا بس شلت الغطا عن مبنى كان مهجور ومنس من سنين. إنت اللي اخترت تبات بره وتختار فندق تاني، وأنا كل اللي عملته إني قفلت باب الفندق وطلبت الحساب. مبروك عليك سارة، ومبروك عليا حريتي.”

وقعت على آخر ورقة تثبت انفصالي التام عنه، وخرجت من مكتب الموثق وأنا أشعر أن سنوات السجن الثلاث قد انتهت للأبد، وأن صفحة جديدة مشرقة وبألوان الحياة الحقيقية قد بدأت الآن.

الجزء الخامس والأخير:

مرّت ستة أشهر كاملة على ذلك اليوم الفاصل.

الحياة عادت لتأخذ مجراها الطبيعي، ولكن بنكهة مختلفة تمامًا؛ نكهة الحرية والهدوء والسلام الداخلي. الفيلا التي كانت في يوم من الأيام مسرحاً للإهمال والبرود العاطفي، تحولت بفضل لمساتي البسيطة إلى واحة حقيقية للراحة. أسسست مشروعي الخاص في مجال التصميم والنشر الرقمي، واستطعت بفضل دعم والدي وخبرتي أن أثبت نفسي في السوق بعيدًا عن أي مظلة أو اسم قديم.

أما شركة الشناوي، فقد تمكنت لجنة التدقيق المالي من إنقاذها من الانهيار بعد إعادة هيكلة إدارية شاملة، ورجعت حصتي وحقوقي كاملة مبرأة من أي نزاعات. أحمد… فقدَ منصبه الإداري بعد أن سحب مجلس الإدارة الثقة منه تمامًا نتيجة التخبطات الكبيرة التي سببتها أزماته الشخصية، وانزوى تدريجيًا خارج المشهد التجاري بالكامل. أما سارة، فلم يعد لها أي أثر يذكر في محيط الشركة أو السوق.

في أحد الأيام المشمسة، كنت جالسة في شرفة الفيلا أحتسي فنجان القهوة الدافئ، وأمامي حاسوبي المحمول أتابع بعض التصاميم الجديدة لجروب القصص والروايات الذي أديره باسم “روماني مكرم”. طيور الحمام كانت تحلق بحرية في سماء الصباح، والهواء كان عليلاً ونقياً.

رن هاتفي المحمول على الطاولة بجانبي. لمع اسم أمي على الشاشة.

رديت بابتسامة واسعة وسعادة غامرة:

“صباح الخير يا ماما.”

جاءني صوتها الدافئ والحنون:

“صباح النور يا حبيبتي. طمنيني، جاهزة لعزومة الغداء النهاردة؟ أبوكي مستنيكِ.”

نظرت أمامي إلى الأفق الممتد، وإلى الشنط التي لم تعد تحمل أي معنى للهروب أو الوجع، بل أصبحت مجرد ذكرى لصفحة أغلقت للأبد، وقلت بثبات ويقين يملأ قلبي:

“طبعًا يا ماما… وجاهزة لأي حاجة جديدة في الدنيا. أنا جاية حالاً.”

أغلقنا المكالمة، وقمت وأنا أبتسم، واثقة تمامًا أن النهايات الصعبة ليست سوى بدايات حقيقية لمن يستطيع أن يختار نفسه أولاً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى