
الصوت العالي لجرس التليفون الأرضي في مكتب أحمد كان بيقطع صمت المكتب المرعب.
أحمد فضل باصص للتليفون كأنه ثعبان هيقرصه، لحد ما مجدي هز راسه بأسف وخرج من المكتب وقفل الباب وراه، عشان يسيبه لوحده يواجه الكارثة.
أحمد مد إيده بتوتر ومد ايده على السماعة، وقبل ما ينطق بكلمة واحدة، جه صوت أمه الحاد والعصبي من الناحية التانية:
“أحمد! إيه اللي بيحصل ده يا ابن بطني؟! خالتك كلمتني من شوية وقالت لي إنها شافت على جروب الشركة رسالة فضحتك وفضحت البيت، والشركة كلها مقلوبة عليك! وكمان مراتك راحت لمت هدومك ورمتها في الريسبشن وطلبت الطلاق؟! إنت اتجننت يا ولد ولا اتخبلت؟! سيب اللي في إيدك وكلم مراتك فوراً رجعها قبل ما أبوك يعرف ويحصل ما لا يححمد عقباه!”
أحمد حاول يبلع ريقه اللي نشف، وقال بصوت مهزوز ومنهار:
“يا أمي اسمعيني، الموضوع مش زي ما…”
قاطعته أمه بصوت أشرس:
“مسمعش حاجة! مريم بنت أصول، وعمرها ما قصرت معاك في بيتك، ووفرت لك كل راحة، تروح تهينها عشان سكرتيرة فاشلة؟! والله لو مريم ما رجعتش البيت خلال ساعة، ورجعت لها كرامتها، لأكون قايلة لأبوك يكتب كل حاجة باسمها، وأولهم الشقة والشركة اللي طالع تنطط فيها دي!”
وقبل ما أحمد يرد، قفلت السكة في وشه “تِك… تِك…”.
رمى أحمد السماعة على القاعدة بتاعتها، وزعق بصوت مسموع وضرب بإيده على المكتب بغضب أعمى، لحد ما إيده عورت.
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح فجأة من غير خبط.
دخلت سارة، وشها باين عليه الرعب، وعينيها حمرا من العياط، وقالت بصوت مكسور وهي بتقرب من المكتب:
“أستاذ أحمد… أستاذ مجدي بلغني دلوقتي إن الشؤون القانونية أصدرت قرار بوقفي عن العمل لحد التحقيق، والموظفين كلهم بره بيشاوروا عليا وبيقولوا كلام…”
أحمد بص لها نظرة كره حقيقية لأول مرة، وقاطعها بصوت فحيح:
“اخرسي خالص… اخرسي! بسببك إنتي وطماعتك، ضيعتي كل حاجة! الشركة بتقفل، ومراتي هتاخد كل اللي ورايا واللي قدامي، وأمي بتهددني بالطرد! بره مكتبي… بره الشركة دي كلها حالاً!”
سارة اتجمعت الدموع في عينها بصدمة من رد فعله، وفتحت بقها عشان تتكلم، بس شافت في عينه نظرة جنون، فخرجت تجري وهي منهارة.
على الجانب التاني، كنت قاعدة مع كريم في مكتبه، بنراجع العقود وتفاصيل التنازلات.
الموبايل بتاعي رن فجأة.
بصيت للشاشة… كان اسم “حماتي”.
سيبت الموبايل قدام كريم، وبكل برود تجاهلت الرنين.
كريم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال وهو بيبص للملفات:
“شكل العيلة الكريمة بدأت تدرك حجم الخسارة.”
“مش فارق معايا إدراكهم، يا كريم،” قلتها وأنا بشرب رشفة من القهوة اللي بردت نصها. “اللي كسرني تلات سنين، مش هياخد مني دقيقة تعاطف واحدة.”
وفعلاً، بعد ثواني من انتهاء رنين حماتي، الموبايل رن تاني.
المرة دي… “أحمد”.
المكالمة فضلت ترن وترن، لحد ما فصلت لوحدها، ورجعت ترن تاني.
كريم سند ظهره على الكرسي وقال:
“على فكرة يا مريم، لو أحمد حب يضغط قانوني، مش هيقدر يعمل حاجة، لأن كل الثغرات في صفنا، وأخوكي من دبي بعث لي التوكيلات الرسمية موثقة ومعتمدة، وبكرا الصبح أول اجتماع لمجلس الإدارة هيسحب منه صلاحيات الإدارة بالكامل، وهيعينوا مدير مؤقت.”
بصيت لكريم وثقة الدنيا كلها في قلبي:
“تمام يا كريم، نفذ كل الخطوات.. أنا مش هتنازل عن حقي ولا هقبل بأقل من طلاق بكرامة كاملة، وشروطنا هي اللي هتتنفذ بالحرف.”
وفعلا، عدى اليوم ده زي البرق.
الساعة تسعة بالليل، كنت قاعدة في بيت اهلي، في غرفتي القديمة اللي ريحتها كانت بتفكرني بأيام ما كنت حرة، قبل ما أدخل قفص الشناوي الذهبي.
الباب خبط خبطات خفيفة، ودخلت أمي وبيدها صينية عليها عصير ليمون.
حطتها قدامي على الكومودينو، وقعدت على طرف السرير، وبصتلي بحنان وهي بتطبطب على كتفي:
“مرتاحة يا بنتي؟”
ابتسمت لها بدموع لمعت في عيوني بس المرة دي دموع راحة مش حزن:
“أكتر وقت في عمري حسيت فيه إني بتنفس يا ماما.”
أمي ابتسمت ابتسامة دافئة، وقالت:
“اللي بيسيب حقه ربنا بيعوضه، وأبوكي من الصبح وهو بيكلم معارفه عشان يخلص كل الإجراءات من غير ما تحتاجي تدخلي في محاكم طويلة.”
وفي نفس اللحظة اللي كنت بتكلم فيها مع أمي، كان أحمد واقف قدام باب بيتنا القديم اللي أهلنا ساكنين فيه، بيلف حوالين نفسه كالمجنون، وبيخبط على الباب بعنف، وعايز يدخل بأي ثمن… بس مش عارف إن الباب اتقفل للأبد.
خبطات أحمد على الباب كانت بتزيد وتخبطات قلبه بتعلى معها، لكن جوه الشقة، محدش فينا تحرك ولا حتى كلف نفسه يبص من العين السحرية.
أبويا دخل الصالة وبهدوء تام وقف قدام الباب، ورفعه صوَته وقال بنبرة قاطعة وواضح فيها كل الجبروت والاحترام:
“لو فضلت تخبط دقيقة كمان، هطلب البوليس وأطردك من تحت الشقة زي العيال الصغار.. امشي يا أحمد، وفكّر في مصيبتك اللي عملتها بنفسك، مريم مش راجعة معاك.”
صوت أحمد وهو بيترجي من بره الباب كان مكسور ومهزوز:
“يا عمي اسمعني.. أرجوك خليني أشوف مريم دقيقة واحدة.. أنا ضعت.. الشركة اتقلبس، وأهلي بيقاطعوني، وسارة دي أنا طردتها ومش عايز اشوف وشها.. أرجوك يا عمي!”
أبويا رد عليه بكل جفاء وحسم:




