
“الباب اتففل في وشك من اللحظة اللي هنت فيها بنتي.. ويلا من هنا قبل ما أعمل اللي ميعجبكش.”
بعد ثواني، سُمِع صوت خطواته السريعة وهو بينزل على السلم مكسور ومنهار، وكأنه أخيرًا استوعب إن اللعبة خلصت وإن الكرسي اللي كان قاعد عليه اتسحب من تحتيه.
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالصدفة، كنت قاعدة في مكتب كريم للمحاماة، ومعايا أخويا الكبير اللي نزل خصيصاً من دبي بطيارة طوارئ عشان يحضر اجتماع مجلس الإدارة الحاسمة.
كريم فتح الملفات قدامنا وقال بابتسامة نصر:
“كل حاجة جاهزة.. مجلس الإدارة هينعقد حالا، والأسهم اللي باسم أخوكِ مع الأصوات التانية بتمثل الأغلبية المطلقة، وبقرار إجماعي.. هيتم سحب منصب المدير العام من أحمد الشناوي بشكل نهائي، وتعيين مدير تنفيذى مؤقت لحد ما تتصصف التصفية القانونية للشركة.”
أخويا بص لي وقال بحنان:
“حقك رجع يا مريم، ومفيش كائن على وجه الأرض يقدر يكسرك بعد اليوم.”
وفعلاً، بعد ساعة واحدة بالضبط، وصلتنا الأخبار من جوه الشركة.
أحمد دخل قاعة الاجتماعات ولقى نفسه ممنوع من الدخول بقرار أمني، والآنسة سارة تم إنهاء خدماتها رسمياً وبدون أي مستحقات بعد ثبوت تجاوزات إدارية، أما هو.. فخرج من الشركة اللي كان بيتباهى بيها، وهو شايل شنطة هدومه الصغيرة في إيده، زي ما دخلها أول يوم من سنين طويلة.
موبايلي كان محطوط على الترابيزة قدامي، وكان بيتهز كل ثانية برسايل التوسل والاستعطاف من أحمد، ومن أمه، ومن كل عيلته اللي باعوني زمان واكتشفوا دلوقتي قيمتي.
مسكت الموبايل، وفتحت رسالة أحمد الأخيرة اللي كان كاتب فيها: “أرجوكِ يا مريم ارحميني.. أنا بقيت في الشارع.. تعالي نرجع.”
بصيت للرسالة بهدوء تام، وكتبت رد واحد بس:
“الفندق قفل أبوابه نهائياً.. والنزيل انتهت إقامته.”
ضغطت إرسال، وبعدها عملت بلوك لكل أرقامهم دفعة واحدة.
رفعت عيني لكريم وأخويا، وابتسمت لأول مرة بضحكة من قلبي، وحسيت إن الشمس أخيرًا نورت حياتي من جديد.
بعد أسابيع قليلة من اليوم اللي غير حياتي، كانت الأمور في المحكمة بتمشي بسرعة البرق بفضل شطارة كريم ووقفة أخويا جنبي.
قضية الطلاق للضرر اتقفلت في الجلسة الثانية، بعد ما قدمنا كل المستندات، ورسالة الجروب الشهيرة، وإثباتات إهماله، وتنازل الشريك الرئيسي (أخويا) عن استمرار ضخ أي سيولة في الشركة، ده غير قروض التأسيس اللي كانت مسجلة باسمي وباسم عيلتي. القاضي حكم بوقوع الطلاق رسمياً، مع إثبات حقوقي كاملة وتحويل كل الأصول والأسهم اللي تخصني برا نطاق أي نزاع محتمل.
أحمد، اللي كان بيوم من الأيام المدير العام “المتعجرف” لشركة الشناوي، اتحول لشخص مكسور، منبوذ من أهله اللي حملوه مسئولية ضياع كل شيء، ومرفوع ضده قضايا عمالية وقانونية من الشركة اللي بنوها أهله وضاعت بسبب طمعه وسوء إدارته. أما سارة، فمبقاش ليها أي أثر، لا في الشغل ولا حتى في الوسط المحيط بيه، وراحت تدور على مكان تاني تبدأ فيه من الصفر بعد ما خسرت كل حاجة.
أما أنا…
فقررت أخد فترة راحة حقيقية. سافرت أنا وأمي وأخويا لمدة أسبوعين نقضي وقت هادئ بعيد عن زحمة المدينة وصوت الشارع اللي شهد على سنوات العذاب والتحمل. في البداية، كنت حاسة بغربة بسيطة، كأن العادة اللي اتعودت عليها تلات سنين من خدمة بيت مش مهتم بوجودي لسه سايبة أثر، لكن مع كل يوم جديد، كان إحساس الخفة بيزيد جوايا، لحد ما بقيت أحس إن روحي رجعت تتنفس من جديد وبكل حرية.
لما رجعنا، بدأت أخطط لخطواتي الجاية. الفيلا اللي على النيل، اللي كانت جزء من جهازي واللي أحمد كان فاكرها مجرد بيت هادي، حولتها لمشروع خاص بيا، مكان يجمع الكاتبات والناشرين وصناع المحتوى، ويكون منارة حقيقية لكل ست حبت تثبت نفسها وتستقل بكرامتها.
في يوم، كنت واقفة في البلكونة بشرب فنجان القهوة الساخن بتاعي، وببص على النيل وهو بيلمع تحت ضوء الشمس الصافية.
الموبايل كان على الترابيزة جنب الشاي، هادئ تمامًا. مفيش رسايل توسل، ومفيش مكالمات فائتة، ومفيش إشعارات مزعجة. شريط الإشعارات كان نظيف ومريح تمامًا.
قربت مسكت الموبايل، وفتحت جروب الشغل القديم (اللي كنت لسه لحد لحظتها عضوة فيه من باب الفضول الأخير)، ولقيت إعلان من الإدارة الجديدة للشركة بتعلن فيه تعيين مدير تنفيذي جديد، وشكر لكل من ساهم في إعادة هيكلة الشركة وتصحيح مسارها بعد الفترة الصعبة اللي مرت بيها.
ابتسمت، وفتحت قائمة الإعدادات، وضغطت على زر “مغادرة الجروب”.
طردت الماضي برا حياتي، وقفلت الباب ورايا نهائياً، ودخلت أعيش بكرة… بكرة اللي أخيرًا، بقى بتاعي أنا لوحدي، وبكرامتي اللي مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تمسها تاني.



