روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 1

معدتش دقايق ولقيت التليفون بيرن تاني.. شاشة الموبايل بتولع باسم “حماتي”. التردد جه يقرصني، بس بصيت لابني ووقفت قصاد المراية مسحت دمعتي ورفعت السماعة بثبات.

ـ “أنتِ اتجننتي يا بت؟! جرا إيه يا قليلة الأصل؟! بقى دي اخرة تربيتي فيكي؟! بتعلي صوتك عليا أنا وعايزاني أسيب عروستي الغلبانة عشان هانم فندم قاعدة في بيتها؟!”.. صوت حماتي كان جاي من التليفون شارخ وعالي لدرجة إن سلفتي كانت واضحة في الخلفية بتعيط تمثيل وبتقول بصوت مسموع: “شفتي يا خالتو؟ دي بتكبر عليا عشان حامل.. بكرة لما أولد هوريهالها!”.

اخدت نفس عميق وكلمتها بصوت هادئ وحازم لأبعد حد:

ـ “يا حماتي، أنا لا قليلة الأصل ولا اتجننت.. أنا بس عندي عيال وتعبانين، وابني الكبير حرارته عالية ومش قادرة أتحرك من جنبه. وبخصوص سلفتي، ربنا يقومها بالسلامة، بس شقتها دي لها جوز مسؤول عنها، أو هي تنضفها براحتها لما تقدر.. أنا مش خدامة حد، وأنا طول عمري بخدمك أنتِ وبشيلك جوة عيوني احتراماً لبيتي وجوزي، لكن مش لدرجة أنضف بيوت تانية وأسيب عيالي المرضى”.

ـ “طب والله لعرف جوزك لما يرجع! ولسة يا أنا يا أنتِ في البيت دا!”.. قفلت السكة في وشي وهي بتزعق وتتوعد.

قلت جوايا: “اللي يحصل يحصل”.. قفلت التليفون وعملته صامت، وقعدت جنب ابني أعمله كمادات وأقرأ له قرآن لحد ما هدي ونام شوية.

بعد ساعتين، باب الشقة اتفتح ودخل جوزي “محمود”.. كان شكله مجهد وتعبان من الشغل وشايل هم الدنيا على كتافه. أول ما دخل، بص لقاني قاعدة ومنظفة الشقة حوالين العيال وقاعدة بهدوء. بص لي باستغراب وقال:

ـ “إيه يا أم فلان.. أمي مكلماني وهي منهارة وعمالة تعيط وتقول إنك قليلة الأصل وسبتيها هي وسلفتك في الشقة ومش راضية تروحي تنضفي وتجيبي أكل، وإنك عليتي صوتك عليها.. إيه اللى حصل؟!”

وقفت قدامه، وعيوني بصت في عيونه بكل صدق وصبر السنين الطويلة دي كلها. قلت له بصوت هادئ:

ـ “اقعد يا محمود.. ارتاح الأول واشرب مية، وبعدين اسمع مني مش من أمك”.

قعد محمود وهو مبرق عينيه ومنتظر مني دفاع أو عذر. ابتديت أحكي له بالراحة، من غير صياح ولا نوح.. حكيت له عن ثمان سنين خدمة صامتة وستر للبيت، وحكيت له عن الوضع مع سلفته اللي قاعدة حاطة رجل على رجل، وحكيت له اللي حصل النهاردة بالحرف: ابني الساخن، وطلبهم الغريب إني أسيب عيالي المرضى وأروح أنضف شقة سلفتي وأجيب أكل من جيبي كأنني شطّابة البيت.

ـ “يعني يا محمود.. أنا غلطانة إني قاعدة جنب ابني العيان؟ ولا غلطانة إني قلت لأمي أنا بخدمك أنتِ في بيتك ومش خدامة في بيوت الناس؟ دي مرآتك أنت، لو مش قادر تصدقني اسألني عن حال الولد”.

محمود سكت.. بص للأرض وبص لابنه النايم وتعبان، وبعدين بص لي. هو عارفني كويس وعارف أخلاقي وعمره ما شاف مني العيب طول السنين دي. حسيت إن الكلام نزل على قلبه زي الصاعقة لأنه لأول مرة يفهم الصورة كاملة من غير تجميل أمي.

نزل راسه وقال بصوت واطي:

ـ “معليش يا أم فلان.. أمي كبرت وبتزعل بسرعة، وسلفتي دي دماغها غريبة، بس حقك عليا أنا.. مكنش المفروض يطلبوا منك كدة وأنتِ عندك عيال تعبانين”.

قلت له بحزم رايق: “حقك على عيني يا محمود، وأنا عمر ما قصرت مع أمك ولا هقصر.. بس كرامتي وبيت ولادي خط أحمر”.

تاني يوم الصبح بدري، الدنيا قامت وما قعدتش. حماتي جت بنفسها ومعاها سلفتي الهانم، ودخلوا البيت بصوت عالي:

ـ “فين سي محمود.. خليه يخرج يشوف مراته قليلة الأصل عملت فينا إيه إمبارح!”

محمود خرج لهم من الأوضة وكان شكله واخد قرار صارم. وقف في وش أمي وقالها بكل احترام بس بحسم:

ـ “صباح الخير يا أمي.. مراتي مكلتنيش في حاجة غلط. هي عندها عيال وتعبانين، والشقة التانية دي بتاعت أخويا وهو مسؤول عن مراته.. من النهاردة مفيش نزول ولا طلبات من مراتي لأي حد، واللي عايزة تساعد سلفتي تنزل بنفسها أو تجيب لها خدامة بالاجرة.. البيت هنا ليه حرمته ومراتي كفت ووففت طول السنين اللي فاتت”.

حماتي اتفاجئت من كلام محمود اللي لأول مرة يقف فيه في صفّي، وسلفتي فتحت بوقها من الصدمة ومقدرتش تنطق بحرف. لفوا ورجعوا بخفي حنين، ومن اليوم دا.. اتقلب الوضع تماماً، وبقت لي هيبة وكلمة بيحسبولها ألف حساب، وعرفت إن الحق لما بيتاخد بقوة وكرامة، الكل بيعمله ألف حساب.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى