روايات وقصص

حكايات امانى 1

قفلت الموبايل وجسمي كله كان بيترعش من قمة القهر. حسيت إن كل سنين الجواز والتضحيات والصبر راحت في ثانية واحدة وإن الإنسان اللي ضحيت عشانه بكل ما أملك، كان هو أول واحد بيطعنني في ضهري وبيسمح لأهله يقللوا مني ومن كرامتي.
قعدت على الأرض في الصالة، وبصيت للولاد النايمين، وحسيت بنقاط دموع حارقة بتنزل على خدودي، بس المرة دي مكنش مجرد زعل.. ده كان إعلان لوفاة الطيبة الساذجة اللي جوايا. قولت لنفسي بصوت عالي وأنا ماسكة نفسي بالعافية: «خلاص.. لحد هنا وكفاية. اللي يبيعني بالرخيص، ميساوش عندي قشرة بصلة بعد اليوم.»
قمت غسلت وشي، وفتحت درج الدولاب، وطلعت الدفتر القديم اللي كنت بكتب فيه حسابات البيت وأفكار الروايات والقصص اللي كنت بكتبها للناس على السوشيال ميديا زمان قبل ما أشغل نفسي بطلبات البيت والضيوف والزنقة دي كلها. فتحت صفحة جديدة، ومسكت القلم ويدي كانت لسه بتترعش، وكتبت فوق الصفحة بخط عريض: “البداية الحقيقية.. من غير ذل ولا تنازل”.
قعدت أكتب وأفرغ كل وجع قلبي، كل دمعة نزلت، كل خذلان شوفته، وحولته لسطور درامية حقيقية طالعة من صميم الوجع. نزلت أول جزء من القصة الجديدة دي على صفحتي والجروب بتاعي، وفجأة.. لقيت تفاعل غير عادي، آلاف الستات بيدخلوا يقرأوا ويكتبوا لي تعليقات بتواسيني كأنهم حاسين بكل حرف كتبته، وكأن روحي بتصرخ من خلال الحروف.
موبايلى ما فصلش رسايل، ولقيت رسالة غريبة جاية لي من رقم غريب على الواتساب، فتحتها ولقيت فيها كلمتين غيروا شكل حياتي تماماً وخْلوني أقف على رجلي من تاني بقوة عمرها ما كانت عندي:
“أنا الناشر اللي بتابع قصتك من زمان، وعايز أعرض عليكِ نجمع القصص دي كلها في رواية مطبوعة وننزل بيها في معرض الكتاب القادم، والنسبة هتغير حياتك.. مستنى ردك.”
بصيت للرسالة دي، وبعدين بصيت لعيال نايمين بسلام، وحسيت إني قدام مفترق طرق حقيقي.. يا إما أرجع أعيش في دور الضحية المكسورة، يا إما أقوم أبني نفسي بنفسي وأرد لنفسي كرامتي اللي اتداس عليها.
قعدت قدام الشاشة وبصيت للرسالة أكتر من مرة، كأني مش مصدقة إن فيه باب تاني اتفتح قدامي في الوقت اللي كانت كل الأبواب متقفلة في وشي. خدت نفس عميق، وكتبت للناشر رد رسمي ومنظم، وحددت معاه ميعاد قريب عشان نقابل ونقعد نتفق على تفاصيل التعاقد ونشر الرواية. حسيت بروحي بتدب فيا من جديد، وبقيت مصرة إن وجعي ودموعي ميروحوش هدر، وإني لازم أثبت لنفسي وللجميع إن الست اللي بتقع قادرة تقف تاني وتقلع جبال لو ساندتها إرادتها.
تانى يوم الصبح، بعد ما مشيت الأولاد للمدرسة، بدأت ألم بقايا روحي وأرتب بيتي، وفي نفس الوقت كنت بكتب فصول جديدة للقصة بحماس و شغف غير طبيعيين. الموبايل بتاعي مكنش بيبطل رسايل من المتابعين والستات اللي بيدعموني، وكل تعليق كان بيمسح جزء من القهر اللي جوه قلبي.
في الوقت ده، كان جوزي بيكلمني من السفر كل فين وفين مكالمة جافة وسريعة، كأنه بيدي واجب وخلاص، وطبعاً مكنش على دراية بأي حاجة من اللي بتحدث في حياتي الجديدة أو موضوع الكتاب. كنت بتجاهل اتصالاته ببرود وبكتفي بردود مقتضبة، لإن الكسر اللي جوه قلبي مكانش هيصلحه مجرد كلام مرسل على الشاشة.
جه ميعاد المقابلة مع الناشر، نزلت وأنا لابسة أشيك حاجة عندي، ورافعة رأسي لفوق بكل ثقة. قابلت الناشر في مكتبه الراقي، وناقشنا تفاصيل الرواية واسمها وخطوات النشر، ووقعت العقد وأنا حاسة إن دي أول خطوة حقيقية في طريق استقلالي وإنصافي لنفسي. رجعت البيت، وقلبي بينبض بفرحة أول مرة أحسها من شهور طويلة.
عدت الشهور، وشغلنا في كتابة وتجهيز الرواية كان ماشي على قدم وساق. كنت بصحى بدري أخلص شغل البيت وأهتم بعيالي، وأقعد ساعات طويلة أكتب وأراجع الفصول بكل دقة الحب. الرواية كانت بتجسد معاناتي وكل الوجع اللي عشته، بس بنهاية مختلفة وقوية تليق ببطلة حقيقية مش مجرد ضحية ذليلة.
لحد ما جه اليوم الموعود.. نزلت الرواية الأسواق وشاركت في معرض الكتاب، والمعرض انفتح على صدى نجاح غير مسبوق. في أول أيام المعرض، لقيت اسمي متصدر تريند السوشيال ميديا، والروايات بتخلص من دور النشر بسرعة البرق، وناس كتير جداً بتطلب توقيعي على النسخ. كنت قاعدة على منصة التوقيع، عيوني مليانة دموع الفرحة والامتنان لربنا إنه عِوضني عن كل ليلة بكيتها لوحدي في الظلمة.
في وسط الزحمة والناس اللي كانت متجمعة حواليا عشان تسلم عليّا وتدعي لي، لمحت وش غريب في آخر الطابور.. رفعت عيوني كويس ولقيته هو.. جوزي!
كان واقف بيبص لي بصدمة مذهولة وعينيه بتتحرك في كل مكان مش مصدق اللي عينه شايفاه. لافتات روايتي الكبيرة اللي مالية المكان، والجمهور اللي واقف صف طويل عشان ياخد كتابي، وأنا جالسة بكامل هيبتي وشموخي لابسة أحسن لبس وواثقة من نفسي كل الثقة.
قرب مني بخطوات مترددة وعلامات الدهشة والذهول مالية وجهه، وحاول يبتسم ابتسامة صفراء وقال بصوت مهزوز: «إيه ده كله يا أم الأولاد؟ إيه النجاح ده؟ مخبية عليّا ليه؟ مبروك يا حبيبتي… مش تقوليلي إنك كاتبة ومشهورة كده؟»
بصيت له بثبات وبرود تام، ولا كإني شايفة قدامي غير شخص غريب ملوش أي قيمة في حياتي، وابتسمت بهدوء وقابلت كلامه بكلمات حاسمة هدت كل غروره: «الله يبارك فيك.. بس أحب أصحح لك معلومة صغيرة: أم الأولاد دي ماتت وراحت لحالها من يوم ما بعتني برخيص ودعست على كرامتي. والنجاح ده تعبي وجهدي وسهري لوحدي من غير أي مساعدة منك.. وأه، نسيت أقولك، بفلوس الرواية دي وبجهدي المستقل، رفعت قضية خلع وجهزت أوراق طلاقي، والورق هيوصلك فياريت متتعبش نفسك وتسأل تاني.»
اتصدم صدمة عمره، وبان على وشه الرعب والذهول وحاول يتكلم أو يبرر، بس الإشارة كانت واضحة. الأمن منعه من إنه يقرب أكتر، ورجعت كملت توقيع النسخ للجمهور اللي كان بيدعمني بحرارة. حسيت في اللحظة دي إن روحي حررت نفسها بالكامل، وإني قدرت ابني نفسي من جديد على أنقاض الدمار اللي هو سببه، وبقيت ملكة نفسي ومستقبلي من غير إذن من حد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى