
بعد يومين، محمود رجع من شغله بدري، ودخل عليّ وأنا بجهز الغدا، وقال: «عايز أتكلم معاكي.»
بصيت له وقلت: «اتفضل.»
قعد قدامي، وفضل ساكت شوية، وبعدين قال: «أنا فكرت في كلام البنت، ومش قادر أنسى شكلها وهي بتكلمني. أنا كنت فاكر إن الموضوع بسيط، وإن محدش هياخده بجد، لكن واضح إني جرحتها وجرحتك.»
أنا مسكت نفسي بالعافية، لأن دي أول مرة من بداية المشكلة أسمعه بيتكلم من غير ما يهاجمني.
كمل كلامه وقال: «أنا مش هقول لك إني كنت ملاك، ولا هقول لك إن كل حاجة كانت غلط غيري. أنا غلطت لما اتكلمت بالطريقة دي، وغلطت أكتر لما حاولت أبرر وألومك بدل ما أعترف. وأنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع ثقتك فيا في يوم وليلة.»
سألته: «طب ليه يا محمود؟ إنت عندك بيت ومراتك وبناتك، إيه اللي يخليك محتاج تلفت نظر واحدة بالطريقة دي؟»
نزل عينه وقال: «مفيش مبرر. يمكن كنت فاكر نفسي خفيف الدم، ويمكن اتعودت إن الناس تضحك على كلامي، فبقيت مش بفرق بين الهزار المقبول والهزار اللي بيجرح. بس ده مش عذر، وأنا لازم أغير طريقتي.»
قلت له: «أنا مش طالبة منك تبقى ملاك، أنا طالبة منك تبقى راجل عارف حدود نفسه، وتحترم الست اللي قدامك، وتحترم بيتك. وبناتك بالذات لازم يشوفوا إن أبوهم لما يغلط، عنده شجاعة يعترف ويصلح غلطه.»
هز راسه وقال: «أنا عايز أعتذر للبنات.»
نادينا عليهم، ولما دخلوا، محمود بص لهم وقال: «أنا عارف إنكم زعلانين مني، وعارف إنكم كنتوا محرجين بسببي. أنا غلطت، ومش هطلب منكم تنسوا اللي حصل بسرعة، لكن هطلب منكم تدوني فرصة أثبت لكم إني فهمت غلطتي.»
بنتي الصغيرة جريت عليه وحضنته، أما الكبيرة ففضلت واقفة مكانها.
قالت له: «يا بابا، أنا بحبك، بس أنا اتوجعت لما حسيت إني بدافع عن حاجة طلعت مش صح. أنا محتاجة أشوف منك تصرفات تخليني أثق فيك تاني، مش مجرد كلام.»
محمود قرب منها، لكنه ما ضغطش عليها إنها تحضنه، وقال لها: «من حقك يا بنتي، وأنا هحاول أصلح اللي عملته.»
ومن يومها، محمود بطل يروح المدرسة، وبقى أي تواصل بينه وبين الإدارة عن طريق المواعيد الرسمية، واعتذر للمديرة عن تصرفه من غير ما يحاول يبرر لنفسه.
وأخويا كمان جه البيت واعتذر لي، وقال إنه فهم متأخر إن تشجيع الغلط مش رجولة ولا جدعنة، وإن الصاحب الحقيقي هو اللي يمنع صاحبه من الغلط، مش يضحك له ويزودها عليه.
لكن أنا، رغم كل الاعتذارات دي، مكنتش قادرة أرجع زي الأول في يوم وليلة.
فضلت فترة أراقب تصرفات محمود، مش علشان أعيش معاه في شك طول العمر، لكن علشان الثقة اللي اتكسرت محتاجة وقت ومواقف حقيقية علشان ترجع.
وبعد شهر تقريبًا، حصل موقف خلاني أفكر من جديد.
كنت رايحة أجيب البنات، ولقيت مدرسة الفصل واقفة عند البوابة. أول ما شافتني، قربت مني وقالت: «أنا حابة أقول لك إن جوزك جه المدرسة من كام يوم، وطلب يقابل المديرة واعتذر عن اللي حصل. وأنا مقدرة إنه اعترف بغلطه، لكن الأهم عندي إن الموضوع مايتكررش.»
شكرتها، وكنت ماشية، لكنها نادت عليّ وقالت: «وعايزة أقول لك حاجة كمان، بنتك الكبيرة كانت بتدافع عن أبوها قدام زميلاتها، حتى بعد ما شافت الفيديو. واضح إنها بتحبه جدًا، فحاولي تساعديها تتخطى الموقف ده من غير ما تحسي إنها مضطرة تختار بينك وبينه.»
الكلام ده فضل يرن في ودني طول الطريق.
رجعت البيت، ولقيت بنتي قاعدة مع أبوها بيحلوا واجب المدرسة. كانوا بيتكلموا بهدوء، ولما شافني محمود قال: «تعالي يا حبيبتي، اقعدي معانا.»
وقفت لحظة، وبعدين قعدت.
مكنتش دي نهاية كل المشاكل، ولا الثقة رجعت كاملة، لكن كان فيه تغيير لازم أشوفه بعيني قبل ما أحكم عليه.
بالليل، محمود جه قعد جنبي وقال: «أنا عارف إنك لسه زعلانة، ومش هطلب منك تنسي. بس أنا مش عايز أخسر بيتي بسبب غلطة كان ممكن أتجنبها من الأول.»
بصيت له وقلت: «البيت يا محمود مش بيتهد من غلطة وبس، البيت بيتهد لما الغلط يتكرر، ولما صاحبه يرفض يعترف بيه، ولما الطرف التاني يفضل لوحده بيحاول يصلح كل حاجة. أنا هديك فرصة، مش علشان سبعتاشر سنة سهل يتنسوا، لكن علشان بناتي يستحقوا يشوفوا أبوهم بيتعلم من غلطه، ويستحقوا كمان أمهم تكون عايشة بكرامة وراحة بال.»
مسك إيدي وقال: «حقك عليّ.»
ولأول مرة، ما اكتفيتش بالكلمة دي، لكن قررت أستنى وأشوف الأفعال.
ومن يومها فهمت إن الحفاظ على البيت مش معناه نسكت على كل حاجة، وإن الرجولة مش إن الراجل يقدر يلفت نظر أي ست، الرجولة إنه يعرف يحافظ على احترامه واحترام مراته وبناته.
أنا مسامحتش محمود في يوم وليلة، لكن فتحت باب للإصلاح بشروط واضحة، لأن التسامح مش معناه إن الغلط يبقى عادي، والثقة مش بترجع بالوعود، بترجع بالمواقف.
وإنتوا رأيكم إيه؟
لو مكان الزوجة، كنتوا هتدوا الزوج فرصة يصلح غلطه، ولا كنتوا هتعتبروا إن اللي حصل كسر حاجز الاحترام ومينفعش يتعدى بسهولة؟
وهل الاعتذار كفاية، ولا لازم يكون فيه تغيير حقيقي في التصرفات؟
حكايات شيمو
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




