روايات وقصص

حكايات امانى 2

أختي بصت لي وبصت لمراتي، وعينيها دمعت من التأثر والمفاجأة. دخلنا جوه البيت، وقعدنا مع بعض، وطلعت من جيبي مبلغ محترم إضافي وحطيته قدام أختي وقولت لها بصوت دافئ:

ـ “حقك عليا أنا كمان.. أنا كنت بعيد وما كنتش مركز في التفاصيل، بس من النهاردة مفيش حد يقدر يمسك بسوء أو يقلل من قدرك.. الفلوس اللي كانت بتبعد عنك هترجع لك كاملة، وكل شهر هيكون ليكي مصروف خاص بكي وبأولادك من غير أي تدخل من حد.”

أختي حضنتني وهي بتعيط، وقالت: “يكفيني يا أخويا إنك جيت ووقفت جنبي وظهرت الحقيقة.. ربنا يبارك لك في عمرك وما يحرمني منك أبداً.”

رجعت البيت مع مراتي، وكان الدرس قد وصلها بوضوح تام وعمق شديد. عدت الأيام، واتغيرت معاملات البيت تماماً؛ بقت مراتي تحترم أختي وتقدرها، وتعرف كويس أوي إن الحق مهما طال الزمن أو كثرت الحيل لازم يرجع لأصحابه، وإن المال الحلال والسرعة في نصرة المظلوم هما أساس أي بيت عامر بالبركة والسلام.

## الجزء الرابع: صفحة جديدة وبداية الصلاح

مرت الشهور على الواقعة اللي غيرت مجرى حياتنا بيتنا تماماً. الدرس كان قاسي وصعب، بس بفضل الله أتى ثماره ورجع الاستقرار والعدل يدخلوا من تاني. مراتي نفذت كل شرط بالحرف، ومن يوم الاعتراف ده مبقتش تنطق اسم أختي إلا بكل احترام وتقدير، بل بالعكس، بقت هي بنفسها اللي تطلب مني أطمن عليها أو نبعت لها ولأولادها هدايا ومصروف زيادة من غير ما أنا أطلب.

أختي رجعت لها كرامتها وراحة بالها، وبقت تحس إن ظهرها سند ومحمي، ومبقاش فيه أي خوف من غدر أو استغلال. أما أنا، فقررت أخد خطوة مهمة عشان أرتاح نفسياً وماسبش أي مجال للشيطان يدخل تاني بين بيتي وأهلي.

فى يوم، نزلت إجازة جديدة، وكنت مجهز مفاجأة تانية خالص، بس المفاجأة دي كانت للصلح العام ولم شمل العيلة كلها على طاعة ومحبة حقيقية.

اتصلت بأختي وطلبت منها تجهز هي وولادها، وكمان كلمت خالنا الكبير وأعمامنا، وعزمتهم كلهم في مطعم كبير ومرتب في البلد، وطلبت من مراتي تحضر معانا وتكون هي اللي مستقبلاهم بنفسها ومرحبة بهم عشان تثبت للجميع إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد وإننا بقينا عيلة واحدة متكاتفة.

لما اتجمعنا كلنا على السفرة، وقفْت وبصيت لكل الحاضرين، وبدأت كلامي بنبرة كلها امتنان:

ـ “أنا جمعتكم النهاردة عشان أشكر ربنا أولاً، وعشان أقول قدام الكل إن أختي دي هي ضلعي العوج اللي مايلقليش انكسار أبداً، وحقها محفوظ في رقبتي لحد آخر يوم في عمري.. وعايز أقول كمان إن بني آدم مش معصوم من الغلط، ومراتي أدركت غلطتها وفتحت صفحة جديدة نضيفة وخالية من أي جحود.”

مراتي قامت من مكانها، وبصت لأختي وقالت بصوت صادق ودموعها في عينيها:

ـ “سامحيني يا أم فلان.. أنا كنت غرقانة في طمعي، بس ربنا فتح بصيرتي على إيد أخوكِ، ومن النهاردة أنتي مش أخت جوزي وبس، أنتي أختي اللي ما ولدتهاش أمي.”

أختي قامت بسرعة وحضنتها قدام الكل، وقالت بصوت دافئ:

ـ “محصول اللي فات كلو فداكي، والمهم إننا طلعنا بدرس يخلي بيتنا عامر بالمحبة وما يدخلوش شيطان تاني أبداً.”

الكل صفق وفرح، واتفتح الأكل وسط جو من الألفة والسرور اللي رجع للبيت روحه الحقيقية. من يومها، أدركت إن الفلوس والسفر والغربة مش هما أساس الحياة، وإن البركة الحقيقية بتيجي من صلة الرحم، وحفظ حقوق الضعيف، وإن الظلم مهما طال ليله، ففجر الحقيقة والعدل لابد طالع ينوّر العقول والقلوب.

## الجزء الخامس: الختام وعمار البيوت

مرت الأيام والسنوات، وبقيت حكايتنا عبرة لكل اللي يعرفونا في البلد. الغربة بقت أهون بكتير، لأن الطمأنينة دخلت قلبي وأنا مطمن إن أختي في عيون الكل، ومراتي بقت المرشد والداعم الحقيقي لكل محتاج في العيلة، وكأن التجربة القاسية دي كانت “قرصة ودن” صححت مسار حياتنا كلها وخلتنا نعرف قيمة الأصول وصلة الرحم.

بقيت كل ما أنزل إجازة، ألاقي البيت بينبض بالمحبة والضحك. ولاد أختي بقوا زي ولادي بالظبط، بيلبسوا من أجدد لبس، وبيدخلوا بيتنا من الباب الكبير مرفوعين الراس، ومبقاش فيه مكان لأي كلام ناقص أو ظن سيء من الجيران أو الغرب. مراتى نفسها بقت تروح لأختي بمحبة من غير مناسبة، تاخد معاها أكل وحاجات حلوة، وتقولها بصوت صادق:

ـ “حقك عليا يا أم فلان، ربنا يعلم أنا بحبكم قد إيه دلوقتي.”

وأختي، بطيبتها وجدعنتها اللي ما تعوضش، كانت دايماً تقابل الإساءة القديمة بالعفو والصفح الجميل، وتقولي دايماً:

ـ “يا أخويا، الدنيا ما تسوش، واللي يرجع لربنا ويصلح حاله، كأنه اتولد من جديد.”

وفى يوم من الأيام، واحنا قاعدين كلنا على دكة العيلة في البيت الكبير، بصيت لولادي وولاد أختي وهم بيجروا ويلعبوا حوالينا بسعادة، ولقيت مراتي بتبتسم لي وفي عينيها نظرة رضا وامتنان. فهمت ساعتها إن الفلوس والمال السايب ممكن يعلم على القلوب جروح عميقة، بس العدل والأصول هما الدوا الوحيد اللي بيصلح القلوب وبيرجع المية لمجاريها.

خرجت من جيبي تليفوني، وبعت رسالة قصيرة لنفسي، كتبت فيها حكمة العمر اللي طلعت بيها من الرحلة دي كلها: *”المال بيجي ويروح، والظلم مهما طال ليله قصير، بس الأصول وصلة الرحم هما الباقيين، وهما السند الحقيقي للإنسان في الدنيا.”*

قفلت التليفون، وابتسمت وأنا سامع ضحكات أختي وهي بتشرب الشاي مع مراتي في بلكونة البيت اللي بقى أخيرًا عامر بالستر، والبركة، والمحبة الصادقة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى