روايات وقصص

حكايات رشا 1

هنا وصلتني رسالة خامسة.

“ما تديش الطفل لأي حد.”

وبعدها مباشرة:

“الهدف مش بس إنهم يربطوكِ بالموضوع… الهدف إنهم يمنعوا أي فحص يكشف الحقيقة.”

حسيت بقشعريرة في جسمي.

مين الشخص ده؟

إزاي عارف؟

وليه بيبعتلي كل حاجة قبل ما تحصل بثواني؟

رفعت عيني لداليا.

وقلت بهدوء:

“إنتِ قلتي إنك لقيتي حاجة غريبة الصبح.”

هزت راسها.

“أيوه.”

“الساعة كام؟”

اترددت.

“حوالي خمسة.”

“حوالي خمسة يعني كام؟”

“مش فاكرة.”

بصيت لها.

“إنتِ كان معاكي موبايل؟”

“أيوه.”

“يبقى أكيد الموبايل مسجل الوقت.”

سكتت.

بدأت الهمهمات تعلى حوالينا.

وكيل الكلية قال بعصبية:

“مريم، إحنا مش جايين نحقق معاكي هنا.”

بصيت له.

“غريبة.”

“كل الناس هنا داخلة تصورني، وكل الناس قررت تتهمني، ولما أسأل أسئلة بسيطة تقولوا مش وقت التحقيق؟”

واحد من الطلبة قال:

“طب ما تشوفي حل!”

بصيت له.

“وأنت مالك؟”

سكت.

فجأة موبايلي اهتز مرة تانية.

رسالة جديدة.

المرة دي كانت أطول.

“بعد أقل من ساعة، الفيديو اللي بيتصور دلوقتي هينزل على صفحة الجامعة.”

“هيستخدموا الفيديو اللي فيه الناس بتسألك، ويقصوا منه أي حاجة تثبت إنك طلبتي المساعدة.”

وبعدها:

“لو عايزة تنقذي نفسك والطفل… خلي أول اتصال تعمليه هو الشرطة.”

رفعت عيني عن الموبايل.

وقلبي كان بيخبط في صدري.

الشرطة؟

لو اتصلت بالشرطة دلوقتي، الكل هيحاول يفسر الموقف غلط.

لكن لو ما اتصلتش…

مين عارف إيه اللي هيحصل للطفل؟

بصيت للرضيع اللي بين إيديا.

كان بيعيط بصوت ضعيف.

وفجأة حسيت إن الموضوع أكبر مني.

حد حطني في المكان ده عمدًا.

وحد تاني، مجهول، بيحاول ينقذني.

لكن السؤال الأهم:

مين اللي حط الطفل في حضني؟

وليه اختارني أنا بالذات؟

رفعت عيني لداليا.

لقيتها بتبص لموبايلي.

مش لوشي.

للموبايل.

وفي اللحظة اللي عيني قابلت عينها…

وصلتني آخر رسالة.

“ما تبصيش في موبايلك تاني قدامها.”

اتسعت عيني.

قفلت الشاشة فورًا.

داليا قربت مني وقالت بصوت منخفض:

“مريم… إنتِ بتكلمي مين؟”

ابتسمت لها لأول مرة.

وقلت:

“ولا حد.”

ثم بصيت للطفل في حضني.

وبهدوء شديد قلت:

سكت الجميع.

رفعت رأسي.

وقلت:

“أيوه… الطفل ده ظهر عندي بطريقة غريبة.”

“بس عندي حاجة واحدة أقولها لكم.”

“بما إن الموضوع اتصاعد كده… أول حاجة هعملها إني أطلب إسعاف وشرطة، وأطلب فحص طبي كامل ومحايد.”

شهقت داليا بصوت عالي كسر صمت الأوضة، وجهها أبيض كالثلج، وعينها زاغت في كل الاتجاهات قبل ما تبص لوكيل الكلية اللي ملامحه اتجمعت فيها الحيرة والارتباك. الطلبة اللي كانوا رافعين كاميرات موبايلاتهم عشان يصوروا انهيار تراجعوا خطوة لورا؛ لأن رد فعلي ما كانش زي السيناريو اللي جهزوه. الولادة في السكن والمصيبة المفروض تكون نهاية دراستي، لكن بطلاني وطلبي للشرطة والفحص لخبط حساباتهم كلها.

وكيل الكلية كح بصوت عالي وحاول يسترد هيبته وقال بحزم عصبي:

“شرطة إيه وفحص إيه يا مريم؟! إنتِ فاكرة الموضوع هينتهي بمحضر وخلاص؟ دي ضجة على مستوى الجامعة كلها، اعترفي باللي تعرفيه وخلينا نخلص من الليلة دي!”

بصيت له بثبات وأنا حاضنة الطفل اللي هبطت عياطه شوية، وكأن نبضات قلبي الهادئة انتقلت له:

“طالما الموضوع بيخصني، يبقى من حقي أطلب التحقيق القانوني الكامل عشان يثبت كل حاجة.. ولا خايفين التحقيق يطلع بنتيجة مش على مزاجكم؟”

في اللحظة دي، وكأن داليا حست إن اللعبة بتضيع من إيدها، نطت لقدام وقالت بانهيار مصطنع وهي بتمسك ذراعي:

“مريم! أرجوكِ اتعقلي! إنتِ في صدمة! مش شايفة بتخرفي إزاي؟ بتقولي هاتي شرطة! قومي، تعالي معايا، الدكتورة هتاخدنا لبر الصفا والمستشفى بعيد عن زحمة الطلبة والفضايح دي!”

كانت بتشدني من دراعي بقوة، وعينها بتبص للباب بلهفة شديدة وكأنها بتستنى إشارة من حد بره.

بس في اللحظة دي، موبايلي في إيدي الشمال اهتز برعشة طويلة وقوية.

عيني اتلفتت غصب عني للشاشة المضيئة.

الرسالة الجديدة ظهرت قدامي، طويلة، وبتاخد الأنفاس:

“اوعي تقومي معاها يا مريم.”

“اللي بره مش مستنيينك تروحي المستشفى… العربية اللي واقفة قدام باب السكن من ربع ساعة مش إسعاف.”

“دي عربية تابعة لجهة غير مرخصة، ومعاهم أوراق مزورة بتقول إنك محجوزة عندهم.”

“داليا مش صاحبتك، داليا هي البنت اللي استأجرت الأوضة اللي جنبكم الشهر ده عشان تراقبك بالاتفاق مع دكتورة الكلية اللي متورطة في أمور مش مظبوطة.”

قرأت الكلمات دي وجسمي كله جمد.

معقول؟!

قبل ما ألحق أستوعب باقي الكلام، الدكتورة قربت مني بخطوات سريعة وعينها فيها نظرة حادة ما ظهرتش قبل كده، وقالت بصوت خشن ومتحكم:

“خلاص يا داليا، سيبك منها. واضح إن الحالة العقلية انهارت تمامًا ومش واعية للي بتقوله. هاتوا النقالة اللي بره ولفوا الطفل كويس، الحالة دي لازم تتنقل فورًا للمكان المناسب قبل ما تضر نفسها والرضيع!”

و فعلاً، فتح باب الأوضة على وسعه، ودخل شخصين بملابس رسمية وماسكين نقالة طبية.

الطلبة بره وسعوا لهم بخوف.

داليا بعدت عن السرير وقالت بصوت واطي وهي بتبصلي بتشفير:

“معلش يا مريم… إنتي جيتي في طريق غلط وما تنفعيش تكملي.”

الراجلين قربوا مني ومدوا إيدهم عشان ياخدوا الطفل من حضني بالغصب.

قلبي دق بعنف، حسيت أن روحي بتتسحب مني. لو الطفل اتخد مني دلوقتي، هيختفي للأبد.

لكن الموبايل اهتز تاني.

رسالة سريعة جدًا:

“اضغطي زر الهوم في موبايلك تلات مرات بسرعة. ده هيفتح الكاميرا والمايك بث مباشر على صفحة (الرأي العام الطلابي) وكمان هيبعت موقعك الحالي بالثانية لقسم الشرطة الرئيسي.”

من غير ما أتردد ولا ثانية واحدة، وبحركة خاطفة، استندت بإيد واحدة على الطفل وضغطت بصباعي التاني على زر الهوم تلات مرات متتالية بكل قوتي.

وفجأة…

طلعت من الموبايل إضاءة خافتة، وصوت الكاميرات وهي بتبث مباشر على الإنترنت ظهر على الشاشة.

وفي نفس اللحظة، رن جرس إنذار الحريق بتاع السكن كله بصوت مزعج وعالي جداً!

“تـــــووووووووووووووووووووووووووووووو!”

كل الأنوار في الممر قطعت وفجأة اشتغلت أنوار الطوارئ الصفراء بتلف وتعمل ومضات قوية في الأوضة والممر بره.

الطلبة بره صرخوأ وفضلوا يجروا في كل حتة بحالة هلع، ورجال الأمن اللي دخلوا الأوضة اتفاجئوا بالإنذار والزحمة.

وكيل الكلية صرخ بجنون:

“إيه اللي يحصل هنا مين ضرب إنذار الحريق؟!”

دكتورة الجامعة جف لسانها وبصت لموبايلها اللي رن فجأة برسايل تحذير ورا بعض، وبصتلي بصة رعبة وقالت:

“انتي عملتي إيه؟!”

رفعت وشي لها، وفي عيني لمعة تحدي وقوة جديدة ماكنتش أعرف إنها جوايا، وقلت بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين على الباب وفي الممر اللي الكاميرات كانت بتنقل صورتهم مباشر:

“أنا عملت اللي يخليكم كلكم تحت التحقيق الحقيقي! الطفل ده ظهر عندي، ودول مش أمن جامعة، دول مجموعة بتعمل حاجات غير قانونية جوه أسوار السكن الجامعي!”

داليا جريت ناحية الباب عشان تهرب، لكنها اتخبطت في طالبين كانوا واقفين مصدومين من اللي بيسمعوه.

وفي اللحظة دي، وسط فوضى الإنذار وصراخ الطلبة، ظهرت نهاية الممر طلقة نور قوية، وصوت أقدام ثقيلة وحازمة بتقترب من الأوضة بخطوات منظمة.

صوت رجل قال بصوت جهوري مسموع:

“شرطة المباحث الجنائية… محدش يتحرك من مكانه، الأوضة بقت مسرح جريمة مقفول بالكامل!”

دخل الأوضة ضابط، وراه عسكريين، وبص للكل بنظرة فاحصة، ووقف قدام سريري بالظبط.

بصلي، وبص للطفل اللي في حضني، وبعدين بص لدكتورة الجامعة وداليا اللي كانوا بيترعشوا جنب الباب.

الضابط طلع ورقة رسمية من جيبه وقال بصوت حاسم:

“بناءً على البلاغ الفوري ورسائل البث المباشر اللي وصلت مديرية الأمن من التليفون ده… تم إلقاء القبض على المتورطين داخل حرم الجامعة. الدكتورة منى، وداليا حسن، واتنين تانيين بره… كلكم مطلوبين للتحقيق!”

داليا وقعت على ركبتها في الأرض وهي بتعيط وتقول:

“مش أنا… والله هما اللي أجبروني!”

دكتورة الجامعة حاولت تهرب لكن الهروب كان مستحيل لأن الممر كان مليان بقوات الأمن والطلبة الشاهدين على كل كلمة.

الضابط بصلي باحترام وقال بتهدئة:

“تقدري يا بنتي تديني الطفل وتيجي معانا للمستشفى عشان نطمن على حالته وحالتك الصحية، وكل أمانك مضمون.”

نزلت دمعة حارة من عيني، لكنها كانت دمعة نجاة.

بصيت للطفل، وبوسته على جبينه، ومديت إيدي للضابط بيه.

لكن قبل ما أسلمه للضابط، الموبايل اهتز باهتزازة أخيرة خفيفة.

فتحت الشاشة بسرعة شوفت أحدث رسالة من الرقم المجهول:

“كده خلص دوري يا مريم… بالتوفيق في حياتك الجديدة، واحرصي دايماً على قفل باب أوضتك كويس بالليل.”

رفعت عيني لممر السكن أدور عليه وسط الزحمة والشرطة، مكنش فيه أي أثر لحد غريب، كأنه كان شجاعاً خفيًا واختفى مع أول ضوء للحق.

حضنت نفسي، وخرجت من الأوضة مرفوعة الراس، وعارفة إن حياتي اتغيرت للأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى