
وبعت لنا بعدها:
— “10 جنيه.”
حتى العشرة جنيه بتوع الميه والكهربا ما سابهمش.
راجل بالشكل ده…
فجأة هيعفينا من إيجار أكتر من 20 ألف جنيه؟
أنا مش مصدقة.
كنت عارفة إن الناس اللي بتحسب كل جنيه بالشكل ده، لما تدفع مبلغ كبير، بتكون مستنية حاجة أغلى في المقابل.
حاجة إحنا لسه مش عارفينها.
فتحت الموبايل وبدأت أدور على فندق قريب.
ندى لمحت الشاشة.
وبصتلي باستغراب:
— “إنتِ بتدوري على فندق ليه؟”
قلت لها ببساطة:
— “عشان أنا هخرج من الشقة الليلة.”
02
الصالة كلها سكتت.
هبة بصتلي كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
— “إيه؟!”
وبعدين ضحكت:
— “لا بجد؟! الناس بتتخانق عشان تلاقي شقة إيجار رخيصة، وإنتِ لما ييجي لك إعفاء من الإيجار 3 شهور، تقومي ماشية؟!”
— “إنتِ فلوسك كتير للدرجة دي؟”
حطيت الموبايل في جيبي وقومت.
— “عم طنطاوي مش من النوع اللي بيدي فلوس ببلاش.”
ندى حطت إيديها على وسطها.
— “إنتِ متخيلة إيه يعني؟!”
— “الراجل هيعفينا من الإيجار، مش هيقتلنا!”
بدأت أدخل أوضتي.
سارة كانت واقفة ورايا، لكن وشها كان فيه شوية تردد.
قالت بصوت أهدى:
— “بس يا منى… إنتِ اكتشفتي حاجة؟”
وقفت وأنا بفتح الدولاب.
بصيت لها.
— “إنتوا مش حاسين إن عم طنطاوي غريب؟”
ندى ردت فورًا:
— “هو بخيل، آه.”
— “لكن عمل حاجة وحشة معانا؟ لأ.”
هبة هزت راسها وقالت:
— “إنتِ طول الوقت بتفكري في أسوأ احتمال.”
— “دلوقتي الراجل عفا عنا من الإيجار، يعني إحنا كلنا مستفيدين.”
— “إنتِ ماشية، طب لو عم طنطاوي عرف إن واحدة مش موجودة وقال خلاص مش هعفيكم؟”
بصيت لهم.
بدأت أفهم.
هم مش واثقين فيه بنسبة مية في المية.
لكن الفلوس كانت مغرية لدرجة إنها خلتهم يدفنوا خوفهم.
ندى مسكت الموبايل وقالت:
— “أنا هكلمه وأقوله ييجي يقنعك.”
بصيت لها بسرعة.
— “ماتقوليش له إني همشي.”
لكنها كانت خلاص بعتت.
قالت بكل بساطة:
— “بعت له.”
بصيت لها شوية.
— “إنتِ عارفة إنتِ عملتي إيه؟”
ندى اتعصبت.
— “إنتِ اللي بقالك ساعة بتخوفي فينا!”
— “يا منى، إحنا أخيرًا حصل لنا موقف كويس، وإنتِ مصممة تحولي الموضوع لفيلم رعب!”
هبة دخلت في الكلام وقالت بسخرية:
— “إنتِ أصلًا طول عمرك شايفة نفسك علينا ومش بتحبي تختلطي بينا.”
— “دلوقتي حتى لما كلنا هنستفيد، مش عاجبك.”
سارة حاولت تهدي الجو.
— “خلاص يا بنات، ممكن منى تستنى لحد ما عم طنطاوي ييجي.”
— “نسمع منه الأول، وبعدها تقرر تمشي ولا لأ.”
أنا بصيت لهم واحد واحد.
افتكرت الأيام اللي كنا فيها بناكل سوا، ونطلب أكل بالليل، ونقسم الحساب بينا.
افتكرت قد إيه كنا بنتكلم عن الشغل والمشاكل والمرتبات، وكل واحدة فينا كانت بتحكي للتانية أسرارها.
لكن في اللحظة دي…
كلهم وقفوا قدام باب أوضتي كأنهم حيطة واحدة.
حسيت فجأة إني تعبت.
قلت لهم:
— “أنا حذرتكم.”
قفلت شنطة السفر.
— “لما المصلحة تبقى كبيرة بالشكل ده، لازم الواحد يخاف أكتر، مش أقل.”
ندى ضحكت بسخرية.
— “خلاص، امشي.”
— “بس ياريت ماترجعيش تندمي.”
ما رديتش.
بس قبل ما أخرج، فتحت تطبيق تسجيل الصوت على موبايلي وشغلته.
وبعدين حطيت الموبايل في جيب الجاكت.
أنا لازم أخرج من هنا قبل ما عم طنطاوي يوصل.
لكن…
كنت اتأخرت خطوة واحدة…………..
الصوت اللي جه من بره مش صوت جرس الباب العادي.. كان خبطتين تلاتة جافين، وراهم صوت تكة المفتاح في الكالون!
عم طنطاوي كان معاه نسخة مفتاح إضافية للشقة، ودايمًا كان بيهددنا إنه يقدر يدخل في أي وقت لو لقى مبرر، بس عمره ما عملها من غير ما يخبط ويستنى لما حد يفتح.
البنات بقوا يبصوا لبعض في قلق مفاجئ. ندى، اللي كانت لسه من ثواني بتدافع عنه بكل حماس، ابتلعت ريقها وبصت للباب وهي بتقول بصوت واطي:
— “هو… هو جيه بدري كده ليه؟”
باب الشقة اتفتح ببطء، وظهرت صلعته اللامعة ووشه اللي دايمًا بيكتسي بعبوس دائم، لكن الليلة كان فيه ابتسامة غريبة، ابتسامة عريضة مش لايقة على ملامحه الناشفة، عيونه الصغيرة الضيقة كانت بتلمع في ضوء النور الباهت بتاع الصالة.
دخل وهو بيمسح كفوف إيديه في بعضها، وماسك في إيده التانية كيس بلاستيك أسود كبير تقيل.
— “السلام عليكم يا بنات.. أومال فين منى؟ هي لسه مرجعتش من الشغل ولا إيه؟”
قلبي دق بجنون، ولقيت نفسي واقفة قدام باب أوضتي وماسكة دراع شنطة السفر بقوة لحد ما إيدي وجعتني. ندى وسارة وهبة بقوا يبصوا لبعض، وبعدين ندى شارت عليا بصوت مهزوز:
— “أهيه يا عم طنطاوي.. دي كانت لسه بتلم هدومها وناوية تسيب الشقة عشان خايفة من الإعفاء بتاعك!”
عم طنطاوي لف راسه ببطء، وعيونه جات في عيوني.
الابتسامة اللي على وشه فضلت ثابتة، بس عيونه تحولت لنظرة تانية خالص.. نظرة باردة، كأنه بيفحص صيد وقع في القفص ومستحيل يهرب.
— “تسيب الشقة؟ ليه بس يا منى يا بنتي؟ هو أنا عملت حاجة تزعل؟ دنا جاي أفرحكم وأطمنكم، وكمان جايب لكم معايا أحلى حاجة بتحبوها.. حاجة مغذية وطازة.”
قرب من الترابيزة وحط الكيس الأسود الكبير، وبدا يطلع منه علب بلاستيك شفافة، مقفولة بإحكام، وريحتها بدأت تطلع في الصالة.. كانت ريحة أكل دسم، ريحة لحمة مشوية أو محمرة بطريقة غريبة، ريحة قوية ومركزة خلت منار -اللي كانت نايمة من الإرهاق- تقعد مفزوعة وهي بتقول:
— “إيه الريحة دي؟”
عم طنطاوي ضحك ضحكة قصيرة ناشفة:
— “دي لحمة بلدي.. دابحة النهاردة عجل صغير عشان ربنا يفرجها عليا، وقلت أجيب لكم نصيبكم تاكلوه وبالهنا والشفا، ومش بس كده.. الإيجار بتاع الـ3 شهور اعتبروه محول على حسابي، بس بشرط…”
هنا الكل سكت. الكلمة دي كانت هي المفتاح اللي كلنا كنا خايفين منه.
سارة سألت بصوت واطي:
— “شرط إيه يا عم طنطاوي؟”
رفع راسه وبص لنا واحد واحدة، وعنيه استقرت عليا أنا تحديدًا، وقال بصوت هادئ ومريب:
— “الشرط إنكم تاكلوا اللحمة دي كلها قدامي دلوقتي.. مش عايز ولا حتة تفضل للصبح. أصل العزومة دي ليها بركة خاصة، واللي تاكل منها.. يضمن إن عمره ما هيتشرد ولا هيطرد من الشقة دي أبدًا، ولا هيعرف يهرب منها لأي مكان تاني.”
الجملة نزلت على الصالة كأنها دلو ماء ساخن.
ندى ضحكت بتهريج عشان تكسر حدة الموقف:
— “يا عم طنطاوي إنت بتهزر صح؟ لحمة إيه دي اللي تضمن إننا منتحركش؟”
لكن عم طنطاوي ما ضحكش. وجهه تجمد تمامًا وبص لعلب الأكل وقال بنبرة أثقل بكتير:
— “أنا مبهزرش يا ندى.. الأكل ده اتحط عليه حاجة مهمة قوي، حاجة تثبت عهدكم معايا للأبد.. وخصوصًا إنتِ يا منى، اللي كنتِ ماسكة الشنطة وماشية، شكلك كنتِ عارفة السكة كويس، بس خسارة.. الباب اتقفل خلاص.”
بصيت للباب ولقيت الترباس نزل لوحده.. حد من بره، أو يمكن عم طنطاوي كان قفله وراه بمفتاح تاني، أو يمكن… الشقة دي مبقاش ليها مخرج.
سارة بصت للأكل وبعدين بصت لي وقالت بصوت مرعوب:
— “منى.. إنتي كان إحساسك صح.. إحنا عملنا إيه؟”
عم طنطاوي مد إيده وفتح أول علبة، وطلع شوكة بلاستيك، ومدها ناحيتنا وقال بصوت أمرنا إننا نتجمد في مكاننا:
— “يلا يا بنات.. كلوا.. الليلة دي محدش هيخرج من هنا غير وهو واكل من صنيتي.”
إيدي في جيبي كانت لسه مسجلة كل كلمة على الموبايل، بس حسيت إن التلفون نفسه بدأ يسخن كأنه حاسس بالرعب اللي إحنا فيه. عم طنطاوي قرب خطوة مني، وبص لشنطة السفر وقال:
— “على فين يا عروسة؟ تعالي كلي الأول.. اللحمة دي مش أي لحمة.. دي لحمة اللي حاولوا يهربوا قبلك.”




