
محمود بلع ريقه وحاول يبرر بضعف: “يا أمينة عيب، دي أمي، وبعدين أنتي شايفة الحال، الدنيا غالية، وعزومة أهلك دي هتكلف يجي ألفين تلاتة جنيه لحمة وفاكهة ومصاريف.. إحنا نجيبهم منين؟”.
ضحكت بتهكم ودموعي بتنزل تاني على خدودي وقولت له: “ألفين تلاتة جنيه؟! هو أهلي لما بيلفوا السفر ده كله عشان يباركولي بفلوسكم؟ دول جايين شايلين شنط فيها الخير كله، ده أبويا وأمي اللي تعبوا عليا، واللي لما جوزتوني ماكلتوش لقمة حلوة إلا من خيرهم اللي كان مالي العربية! ولما بييجوا، بياكلوا من لقمة بيتي اللي أبويا دفع مهرها، ولا هو مفروض أنا كمان أتحاسب على لقمة العيش اللي بدخلها بقي؟”.
في اللحظة دي، ظهرت حماتي من ورى محمود، وكانت حاطة إيديها في جنبها وبتبصلي نظرة تحدي وقالت: “أيوه ياختي، الحساب بيطرق هنا بالقرش! واللي مش عاجبه بيت العيلة وقواعده، الباب يفوت جمل! أنتي فاكرة نفسك ملكة زمانك عشان أهلك جايين يزوروكِ؟ ده إحنا اللي مستحملينك بوجع دماغك ووحمك وتعبك، ومن غير ما تدفعي مليم واحد في مصاريف البيت! فوقي بقى لنفسك واعرفي مقامك”.
الكلمة دي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. حسيت إن كل ذرة حب أو احترام كنت بحاول أبنيها لجوزي وأهله طارت في ثواني. بصيت لحماتي وبصيت لمحمود، وقولت بصوت صارم وواثق، مفيش فيه أي ترعشة:
“مقامي أنا عارفاه كويس يا طنط.. مقام بنت الناس اللي عمرها ما دخلت بيت واتهان أهلها فيه. ومادام البيت ده بيعد اللقيمات على الضيف، ومادام أهلي اللي جايين يفرحوا بيا هيتسمعوا الكلمتين دول، يبقى أنا قاعدة هنا غصب عني، بس مش للدرجة دي!”
دخلت الأوضة بسرعة، وفتحت الدولاب، وطلعت شنطة السفر الصغيرة بتاعتي، وبدأت أرمي فيها هدومي عشوائي وأنا بعيط وبقول بصوت عالي عشان يسمعوا: “أنا مش قاعدة هنا دقيقة واحدة! هلم هدومي وأتصل بأخويا يجي ياخدني قبل ما أهلي يتحركوا من البلد، وخلوا بيت العيلة ينفعكم، ويبارك لكم في اللحمة والفاكهة والسمنة اللي مخلوعة من قلبكم!”.
محمود اتجنن وجري ورايا ومسك إيد الشنطة وقال بصحبة صياح وذعر: “انتي اتجننتي يا أمينة؟! هتمشي وتروحي فين؟ انتي حامل! الناس هتقول علينا إيه؟ أمي هتقول عنك إيه للناس؟ سيبي الشنطة دي حالا!”.
زقيت إيده بقوة وقولت له بصوت مرعب: “الناس هتقول إيه؟! قولهم مراتك مشيت عشان أهلي كرامتهم أغلى عليها من قعدتكم! وقول لأمك تطمن، المطبخ بتاعها هيفضل فاضي ومش هيكلفها حاجة تاني، لاني لا هاكل من زادكم ولا هقعد في بيتكم!”.
طلعت تليفوني بسرعة وأنا حاطة إيدي التانية على بطني اللي كانت بتوجعني بشدة، وفتحت قائمة الاتصال، وكتبت رقم أخوي الكبير “خالد”، وضربت الجرس ويدي بتترعش، وأنا مستنية الرد على أحر من الجمر، وعقلي كله بيفكر في لحظة وصول أهلي وازاي هقابلهم وايه اللي هقوله لهم لما يعرفوا اللي حصل.
الخط فتح، وصوت أخويا خالد طلع من الناحية التانية بحماس وفرحة: “ألو يا عروسة، خلاص يا حبيبتي، إحنا ركبنا العربية وخارجين من البلد على هناك، ساعات وكونوا عندكم نبارك للحلو ونشوف البيبي الصغير.. جاهزين ولا نعمل إيه؟”.
سكت ثواني، والدموع كانت قافلة زوري، وبصيت لمحمود وحماتي اللي كانوا واقفين في الصالة مذهولين من جرأتي، وقولت لأخويا بصوت مكسور بس مليان كرامة:
“يا خالد.. لفوا العربية وارجعوا.. ما تحجوش.. أنا في بيت تاني خالص غير اللي أنتم متخيلينه”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




