
أول ما سمعت صوت أمي، الحواجز انهارت جوايا، ووقعت على ركبتي في الأرض وفضلت أعيط بصوت عالي وجع قلبي كله طلع معاه. أمي اتخضت وجريت عليا وقعدت جنبي على الأرض، وبصت لخالد بخلع وقالت بصوت مرتعش:
“في إيه يا خالد؟! أختك مالها؟! فين جوزها؟! إيه شنطة السفر دي؟!”.
خالد وقف قدامنا، ووشه كان أصفر من القهر، وحكى لأمي وأبويا كل اللي حصل بحذافيره، من أول طلب اللحمة والفاكهة، لحد كلام حماتي “نرجس” وقسوتها، وسكوت محمود اللي زي الكرسي، وطرده ليا على السلم.
أبويا، الراجل الكبير اللي عمر ما حد سمع صوته عالي، واللي الناس كلها بتعمله ألف حساب، وقف مكانه مصدوم. حسيت إن شعيرات راسه شابت في ثانية. بص لي نظرة طويلة مليانة وجع وحزن، وراح قعد على الكرسي بتاعي، وحط إيده على راسه وقال بصوت مكسور وخشن:
“يعني أهلي وناسي يتقال عليهم إنهم جايين يشحتوا في بيت جوزك يا أمينة؟! يعني اللقمة اللي أبوكي تعب فيها، وجابها من عرق جبينه عشان يفرحك، تتقال في حقها إنهم مش فاتحين مطعم؟! “
أمي قعدت تعيط بحرقة وضربت على صدرها وقالت:
“يا حزني عليكي يا بنتي.. ده إحنا كنا جايين نشيلك في عيونا ونبارك لك على الحمل، طلعوا عيونهم في اللقمة وفي العزومة! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم وفي تربيتهم!”.
أبويا قام مرة واحدة، وعزيمته ورجولته ظهرت في عينيه، وقال بصوت حاسم ما فيهوش رجعة:
“قومي يا أمينة، اعدلي رأسك وما تنزليهاش للأرض أبداً. أنتي بنت راجل مش هينين، واللي ما يقدرش أصلك وكرامتك ما يلزمكيش، واللي مش راجل بما يكفي عشان يحمي مراته وأهلها من لسان أمه، ما يستاهلش يبقي أب لابننا اللي جاي! ومن اللحظة دي، مفيش رجعة للبيت ده تاني، ومحمود لو عاوز مراته وابنه، يجي لحد باب بيتي ويطلبهم زي ما دخلهم من الباب الكبير.. ومش قبل ما تاخدو حق كرامتنا بالكامل!”.
وفعلاً، عدت يومين وأنا قاعدة في حضن أهلي، ووجع الحمل بيقل شوية قدام نار القهر اللي جويا، لحد ما في يوم بالليل، سمعنا صوت خبط جامد على باب البيت، وخالد راح يفتح، وفجأة سمعنا صوت محمود وهو بينادي بصوت عالي:
“يا عم الحاج.. يا أمينة.. من فضلك افتحي لي، أنا جاي أخد مراتي وحقها فوق راسكم كلكم!”.
أول ما سمعت صوت محمود بره، قلبي دق بقوة، وحسيت إن أنفاسي بتتسارع. بصيت لبابا وماما، لقيت بابا قاعد مكانه بكل هيبة وثبات، وعيونه بتبص للباب ببرود وحزم، وماما حطت إيديها على كتفي وقالت بصوت هادئ:
“اقعدي يا أمينة، وما تخافيش، وراكي رجالة تزن الدهب”.
خالد فتح باب البيت على الآخر، وظهر محمود واقف على العتبة، ووشه كان أصفر ومكسور، وبان عليه الندم والخوف. دخل محمود بخطوات مترددة، ولما شاف بابا قاعد بالهيبة دي، نزل على ركبتيه قدام بابا، وباس إيده وقال بصوت كله رجاء ودموعه في عيونه:
“حقك عليا يا عم الحاج.. حقك على راسي من فوق! أنا عارف إني غلطت وكنت أطرم وضعيف، وما عرفتش أصون الأمانة اللي سيبتهالي ولا أحمي كرامة مراتي وأهلها.. بس والله العظيم تلاتة ما هسيب أمينة تاني تتذل ولا تسمع كلمة تقهر قلبها”.
بابا بص له نظرة طويلة ومرعبة، وقال بصوت خشن وثابت:
“الكلمة اللي خرجت من بيتكم يا محمود مش هتمحيها الكلمة الحلوة، وكرامة بيتي وأمك وأبوكي اللي اتهانوا في لقمة العيش، تمنها غالي أوي يا ابني.. مراتي وبنتي مش رايحين شقة ملكك لوحدك، بنت راجل كبرات مش هترجع بيت عيلة تتبهدل فيه وتتحاسب على لقمة عيشها”.
محمود بلع ريقه، وبصلي وقال بصوت مكسور وبصيغة استعطاف:
“أمينة.. ارجعي معايا، أنا عملت شقة صغيرة فوقيهم تماماً، ومستقلة تماماً، ومفيش مخلوق يقدر يدخل بيننا أو يقولك كلمة.. أنا فهمت أمي إن مراتي خط أحمر، وإن بيتي انا المسؤول عنه.. سامحيني وابني اللي في بطنك محتاج لأبوه”.
بصيت لمحمود، وفي لحظة حسيت إن كل الوجع اللي جويا بيتحول لقوة. شوفت الدموع في عيونه، وشوفت إنه أخيرًا فهم الدرس لما شاف الكسر الحقيقي، ولما لقى نفسه هيخسرنا للأبد. بصيت لبابا وماما، وكأننا بنتناقش بنظراتنا، وبابا قال لي بكلمة حاسمة:
“القرار ليكِ يا بنتي، الراجل اعترف بغلطه وعمل اللي عليه، بس الباب اللي اتفتح للغلط لازم يتقفل بحدود صارمة”.
قمت وقفت بثبات، وحطيت إيدي على بطني، وقولت بصوت قوي ومسموع لكل ركن في البيت:
“يا محمود.. أنا رجوعي مش هيكون للذل ولا لبيت العيلة اللي بيعد اللقيمات. أنا هرجع على بيتي المستقل اللي أنت هتعمله بيمينك، وشروطنا واضحة: أهلي تاج على راسك، وزيارتهم ليا خط أحمر، ولا أمك ولا غيرها تتدخل في لقمة بيتي ولا حياتي.. لو قادر تحميني وتحمي بيتك، أهلاً وسهلاً، غير كده، ابني يتربى في حضن أبوه وهو راجل، مش في بيت مكسور الكرامة”.
محمود هز راسه بسرعة وقال:
“موافق.. موافق على كل شرط، والصبح الشقة تكون جاهزة لكي، وكل اللي تؤمريه هيتنفذ فوراً!”.
ابتسمت لأول مرة من ست شهور، وحسيت إن الهواء رجع لصدري، وإني مش بس رجعت لبيتي وجوزي، دي كانت القصة اللي بتعلمنا إن الكرامة أثمن بكتير من أي بيت عيلة، وإن بنت الأصول عمرها ما بتهون دام وراها ضهر وسند ما يكسرهوش ريح.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




