عام

حكايات احمد عمار1

«الآنسة نانسي، المستندات التي أمامنا لا توثق مجرد نزوة عابرة على مائدة العشاء. هذا الملف يحتوي على سجلات مالية دقيقة، وتحويلات بنكية تمت بين حسابكِ الشخصي وحساب السيد فادي، فضلاً عن عقود شراء عقار تجاري تم تسجيله سرًا بالشراكة بينكما قبل ثلاثة أشهر فقط، من أموال الأسرة المشتركة التي تخص السيدة نادين.»

اتسعت عينا أليكس، زوج نانسي، الذي ظل صامتًا طوال الوقت، والتفت نحو زوجته المنهارة بصدمة وذهول لم يقل عن صدمة فادي، وسألها بصوت خشن ومبحوح:

«عقار تجاري؟ وشراكة سرية؟ ما الذي يتحدث عنه هذا المحامي يا نانسي؟ هل كنتِ تسرقينني وتسرقين بيتكِ طوال هذه المدة مع هذا الرجل؟»

حاولت نانسي أن تتحدث، وأن تبرر، لكن الكلمات تجمّعت في حلقها، فبدت وكأنها تعاني لاختناق حقيقي. أما فادي، فوقف مذهولاً، والتفت إليّ غير مصدق أنني كشفت كل أوراقه في ضربة واحدة، وقال بصوت منكسر:

«كنتِ تعلمين… كنتِ تعلمين بكل شيء منذ البداية؟ ولماذا وافقتِ على التمثيل إذن؟ لماذا تركتني أحزم حقيبتي وأتجهز لهذه المهزلة؟»

أجبتُه وأنا أقف من مقعدي وأمشي بخطوات بطيئة نحوه، حتى أصبحت أقف أمامه مباشرة، وبصوت حاسم لا يرتجف:

«وافقت يا فادي لسبب واحد بسيط: لم أكن أريد أن أتشاجر معك بناءً على شكوك أو اتهامات تتهرب منها كالعادة وتتهمني فيها بالجنون والمبالغة. أردتُ أن تذهب بنفسك إلى هناك، أن  جميعاً في مسرحيتكم السخيفة حتى النهاية، وأنا التي أسدل الستر بالطريقة التي تناسبني.»

ثم نظرت إلى شريف وأكملت:

«المحامي شريف لم يأتِ عبثًا يا فادي. هذا الملف لا يحتوي فقط على تفاصيل العقار والأموال المنهوبة، بل يحتوي أيضاً على طلب طلاق للضرر، مرفقاً بكافة الأدلة والإثباتات القانونية التي تجعل حصولي على حقوقي الكاملة ونفقتي وحصة الأسد من أملاكك أمرًا محسومًا أمام القضاء منذ الجلسة الأولى، دون أن تملك حتى حق الاعتراض.»

شحب وجه فادي تمامًا، وتقدم خطوات للأمام محاولاً إمساك يدي وهو يتوسل:

«نادين، أرجوكِ… عائلتنا، ثمانية عشر عامًا من العشرة! لا  كل هذا من أجل خطأ طائش! أنا مستعد للتنازل عن كل شيء، عن العقار، عن الأموال، فقط اتركي المحامي يغادر ولا  حياتي بهذه الطريقة! أنا جاهز لنلغي هذه الفكرة السخيفة حالاً ونعود كما كنا!»

سحبت يدي من بين يديه بقمة الاشمئزاز، ونظرت إليه نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر عاطفة:

«عشرة ثمانية عشر عامًا هدمتها أنت حين اخترت ، وحين استغفلتني مع أقرب الناس إلى بيتي، وحين فكرت في بيعي رخيصاً مقابل نزوة. أما عن العودة كما كنا… فهذا مستحيل، لأنني اليوم لست تلك المرأة الساذجة التي كانت تصدق وعودك الزائفة.»

التفتُّ بعد ذلك إلى أليكس، الذي كان يرتجف غضبًا، وقلت له بهدوء واحترام:

«أما أنت يا أليكس، فأعتذر لأنك جُرِرت إلى هذه الليلة بهذه الطريقة القاسية، لكنك كنت تستحق أن ترى الحقيقة بعينك، تماماً مثلما رأيتها أنا. شريف سيعطيك نسخة من كافة المستندات التي تخصك والتي تثبت تورط زوجتك وشريكي السابق في أمور مالية تخص أموالك أيضاً.»

وقف أليكس ببطء، ونظر إلى نانسي التي كانت تبكي بحرقة على الأريكة، وقال ببرود قاتل وصوت جاف:

«انتهى كل شيء بيننا يا نانسي. جمعي أغراضك واخرجي من بيتي هذه الليلة، ولن أكتفي بالطلاق فحسب، بل سأقاضيكِ قانونياً على كل قرش سرقتِه من بيتي.»

ثم التفت إليّ، وأومأ برأسه باحترام، وقال:

«شكراً لكِ يا نادين لأنكِ أنقذتِنا من العيش في كذبة أكبر.»

غادر أليكس الغرفة وهو يجر خطواته بصدمة بالغة، بينما بقي شريف واقفاً بانتظار إتمام الخطوة الأخيرة. أما فادي ونانسي، فبقي كل منهما محاصراً في قفص الحقيقة التي صنعاها بيديهما، ولم يعد هناك مكان للمزاح أو لتبادل الأدوار، بل وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام عواقب أفعالهم القاسية التي لا رجعة فيها.

التفتُّ إلى فادي وأنا أهم بالخروج من الغرفة، وقلت بابتسامة أخيرة:

«أما حقيبتك التي جهزتها لكَ يا فادي… فاستخدمها جيداً، لأنك ستغادر بها هذا المنزل نهائياً إلى غير رجعة.»

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى