روايات وقصص

حكايات صافى 1

رمزي بص لي وقال: “العنوان اللي فيه المركز وبيته مش بعيد.. وصلنا يا باشا. هتعمل إيه؟”

بصيت قدامي على الشارع الهادي، وقلت بصوت صارم وراجع لشخصية الراجل اللي ما بيعرفش يخسر: “هنزل.. وهشوف ولادي بعيني، وهعرف إيه اللي جاب طارق الشافعي ده لحد مراتي.. ومش هطلع من إسكندرية دي غير ومعايا إجاباتي كلها.”

العربية وقفت قدام مبنى فخم وراقي على كورنيش إسكندرية، يجمع بين عراقة المعمار الحديث وجمال البحر. لوحة الإضاءة المكتوبة بخط هادئ كانت تحمل اسم: *مركز الدكتور طارق الشافعي لطب الأطفال وجراحاتهم*.

نزلت من العربية، ورمزي نزل ورايا بسرعة. ظبطت بالطويا، وعدلت نظراتي اللي كانت مليانة إصرار ممزوج بخوف أول مرة أحسه في حياتي. دخلت من البوابة الزجاجية الكبيرة، والاستقبال كان هادي ونظيف، ريحة المكان مطهرات هادية مع ألعاب أطفال ملونة في ركن الاستعلامات.

الموظفة رفعت راسها وقالت بابتسامة مهنية: “أهلاً بحضرتك يا فندم، تحب تحجز استشارة ولا عندك ميعاد؟”

قلت بصوت ثابت وجاد: “جاي أشوف الدكتور طارق الشافعي.. قوليله جاسر المهدي برأس مال شركة المهدي بالقاهرة.”

الموظفة استغربت الاسم، وطلعت تليفونها الداخلي تكلم مكتبه. بعد ثواني قليلة، اترسمت على وجهها علامات الدهشة، وقالت لي بتقدير أكبر: “الدكتور في انتظارك يا فندم.. الدور التالت، المكتب الأخير على اليمين.”

طلعت السلم ببطء، خطواتي كانت تقيلة كأن كل سِلمة بتفكرني بكل سنة قصرت فيها في حق سارة. وصلت قدام الباب المكتوب عليه “د. طارق الشافعي – استشاري جراحة الأطفال”، أخذت نفس عميق، وخبطت خبطتين خفيفتين.

جاني صوته الهادئ من جوا: “اتفضل.”

فتحت الباب ودخلت. كان قاعد ورا مكتب مهندم ونظيف، راجل في أواخر الأربعينيات، ملامحه هادئة ووقورة، شعره فيه خصلات بيضاء زايدته هيبة، وعيونه الذكية بصتلي بثبات من وراء نظارات طبية رفيعة. ما كانش باين عليه أي توتر ولا خوف.. بالعكس، كأنه كان مستنيني.

قفل الملف اللي كان قدامه، ورفع عيونه فيا وقال بصوت رصين: “أهلاً بك يا بشمهندس جاسر.. نورت إسكندرية. سمعت عنك كتير، بس الصراحة ما كنتش متوقع الزيارة دي بالسرعة دي.”

قعدت على الكرسي اللي قدام مكتبه من غير ما استأذن، وعيني في عيونه وقلت بحدة: “سيبك من الأسلوب الدبلوماسي ده يا دكتور.. وكلام الأصول اللي بين الكبار. أنا هنا عشان حاجتين مفيش تالت لهم: مراتي.. وولادي.”

طريق ابتسم بهدوء، ابتسامة باردة زادت من عصبيتي، وقال: “مراتك؟ غريب قوي يا جاسر بيه.. تفكر في الكلمة دي دلوقتي بس؟ تلات سنين كاملة وهي لوحدها، بتواجه الحمل والولادة والمرض وتربية توأم لوحدها في مدينة غريبة عليها.. ودلوقتي جاي بكل ثقة تقول مراتي؟”

قمت من على الكرسي بعصبية، وحطيت إيدي على مكتبه وقربت منه: “أنت فاكر نفسك مين عشان تكلمني بالطريقة دي؟! وما تردش على تليفونها بصوتك البارد وتقفل في وشي؟ وإيه اللي جابك في حياة مراتي أصلا؟!”

طارق ما اتحركش من مكانه، فضل قاعد بكل هدوء وثبات، وقال بنبرة قوية قطعت صوت أنفاسي العالية: “أنا الراجل اللي شالها وهي مرمية في مستشفى جامعة إسكندرية من غير حتى ما تلاقي زوج يطمن عليها وهو قاعد في مكتبه المكيف في القاهرة.. أنا الراجل اللي سمع عياطها وهي بتبكي في أوقات الوحمة والوجع، وكنت بشتري لها الدواء بأيدي لأن مفيش راجل جنبها. أنا الراجل اللي عيالك بينادوه ‘بابه’ لأنك فضلت غايب عنهم سنة ونص كاملين، ومشتاقين لحضن دافئ مش مجرد فلوس بتترمى في حساب بنكي!”

الكلمات نزلت عليا زي السياط. جسمي كله اتجمد، وحسيت إن الأرض بتميل بيا بجد. فتحت بوقي ومش عارف أقول إيه. دافعت بصوت مكسور ومبحوح: “أنا ماكنتش أعرف.. ما قالتليش!”

طارق وقف من مكانه، وبصلي بنظرة كلها شفقة وعتاب وقال: “وهي عمرها ما كانت تشتكي.. دي عيبها الوحيد إنها كانت بتحبك لدرجة الاستغناء عن نفسها. لما كانت بتيجي تتكلم معاك، كنت بتقولها ‘بعدين’.. ولما كانت محتاجة جوزها، بعتلها سواق. فلما جه الوقت اللي مبقاش فيه مكان لك في حياتها.. استغربت ليه لقيت غيرك بيرد على تليفونها؟”

سألته بصوت يرجف، ولأول مرة أحس بالضعف قدام راجل تاني: “هي فين؟ وعاوز أشوف ولادي.. أرجوك يا دكتور، أنا ابوهم.. ليا حق أشوفهم.”

طارق سكت لحظة، وبص للباب المفتوح ورايا، وبعدين قال بنبرة هادئة: “هم مش بعيد.. بس السؤال هنا يا جاسر: لو شوفتهم، هتقدر تستحمل تشوف حجم الحب والتعلق بينهم وبين الراجل اللي رباهم في غيابك؟ ولا هتيجي تهدم حياتهم زي ما هدمت حياة أمهم زمان؟”

قبل ما أنطق بحرف واحد، سمعت صوت خطوات صغيرة وخفيفة برة المكتب.. صوت ضحكة طفلة صغيرة بتنادي: “بابا طارق.. جابت لنا العصير؟”

قلبي وقف في مكاني، والتفت ببطء شديد ناحية الباب، وعيوني امتلأت بالدموع وأنا مستني أشوف شكل البنت اللي شايلة ملامحي، بس رايحة تحضن راجل تاني.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى