
قال محمود بصوت متهدج، وهو يكاد لا يصدق ما يسمعه: “يا كريم، فهّمني.. أمك كانت عارفة إزاي؟ وقالت لخالتك إيه بالظبط؟”.
فتح كريم الرسالة وقدما والده تكادان لا تحملاه، وقرأ بصوت خاشع وموجع: “خالتي كانت بتسألها ليه ملامحك متغيرة اليومين دول، وماما كتبت لها: ‘محمود اتجوز عليا.. واحدة اسمها ندى، عرفت بالصدفة من ورقه في جيبه. بس مش هعمل مشاكل ولا ههدم بيتي.. هسيبه، وهشوف هو هيفضل مكمل في الكدب ده لحد إمتى، وهستنى اللحظة اللي يقرر فيها يواجه بنفسه عشان أخد قراري الصح’.
سقط الهاتف من يد محمود على السجاد، وانسحب الدم من وجهه. لم تكن صدمة سعاد في المطعم هي المفاجأة الأولى كما ظن، بل كانت “المسرحية الكبرى” التي أتقنت سعاد تمثيلها ببراعة طوال سبعة أعوام كاملة! لقد كانت تعلم بكل تفصيلة، بكل كذبة، بكل مرة كان يختلق فيها حجة لتأخيره عن البيت، وبكل قرش كان ينفقه هناك. كانت تراقبه بصمت مطبق، تترقب، وتحسب الأيام، وتنتظر اللحظة التي يقع فيها في شر أعماله.
“أومال هي فين دلوقتي يا كريم؟” سأل محمود بصوت خافت وكأنه يخاطب نفسه.
رد كريم بحدة وقسوة جعلت قلب أبيه ينقبض: “في بيت خالتي.. وكتبت لي رسالة قبل ما تمشي، قالت لي فيها: ‘يا كريم، أبوك اختار يكمل طريقه في السر، وسابني أبني معاكم في الضلمة، بس لو هو مفكر إنه ذكي، فهو مجرد ضحية لثقة هو بنفسه هدمها. بكرة يفوق ويعرف إن السكوت مش معناه رضا، ده كان استدراج لنهاية هو اللي كتبها بايده’.”
في تلك الأثناء، كانت ندى في شقتها الصغيرة تجلس بجوار ابنها يوسف الذي غلبة النوم على السرير، وهي تحس بمرارة غريبة تحلق في صدرها. رغم أنها حققت مرادها ورأى ابنها أباه في النور، ورغم أن سعاد عرفت، إلا أن الجو لم يكن يوحي بأي نصر. كانت تعلم أن ما جرى في المطعم لم يكن سوى بداية عاصفة شرسة، وأن محمود الآن يواجه شبح ماضيه الذي تراكم لسبع سنوات.
رن جرس باب شقة ندى في منتصف الليل. فتحت الباب وهي ممسكة بأنفاسها، لتجد محمود أمامها. لم يكن يبدو كزوج أو حبيب، بل كان شبحاً لرجل تآكلت جدران غروره وثقته بنفسه. دخل من غير أن ينطق بكلمة واحدة، وجلس على الأريكة ويداه تغطيان وجهه.
اقتربت منه ندى بحذر وقالت بصوت منخفض: “محمود.. مالك؟ إيه اللي حصل؟ سعاد عملت إيه لما روحت البيت؟”.
رفع محمود رأسه وعيناه محمرتان من التعب والصدمة، وقال بصوت مكتوم: “طلعت عارفة يا ندى.. طلعت عارفة من سبع سنوات، من أول يوم جوّاز بينا!”.
فتحت ندى عينيها على مصراعيهما من شدة الذهول، وقالت بتعجب غير مصدق: “عارفة؟! من سبع سنين؟! إزاي ده حصل؟ وليه فضلت ساكتة كل المدة دي؟”.
“عشان تنتقم بطريقتها الخاصة” أجاب محمود بانهيار وهو يهز رأسه بيأس. “ماتكلمتش، ما عملتش مشاكل، ما فضحتنيش، سابتني عايش في الوهم، فاكر إني ذكي وإني قدرت أخدع الكل، وهي كانت شايفة كل تحركاتي وبتستنى اللحظة المناسبة.. لحظة الكسر الحقيقي!”.
جلست ندى بجواره، وقد غزا الخوف قلبها أيضًا. أدركت حينها أن الطريقة التي أُعلنت بها الحقيقة لم تكن صدفة، بل كانت تحت سيطرة سعاد التي خططت لكل شيء بعناية ليكون السقوط مدوياً وشاملاً.
مرت ثلاثة أيام ثقيلة كأنها الدهر. محمود لم يذهب إلى عمله، وكان مقسماً بين محاولات فاشلة للاتصال بسعاد التي كانت تغلق هاتفها تمامًا وتكتفي بإرسال رسائل قصيرة عبر كريم تؤكد فيها أن طلبات الطلاق وشروطها ستصل قريباً عبر محامٍ، وبين محاولات ندى لتهدئته والتي باتت بلا جدوى أمام حالة الانهيار النفسي التي أصابته.
في اليوم الرابع، ذهب محمود إلى بيت شقيقة سعاد، حيث تقيم زوجته الأولى مع أولادهما. وقف أمام الباب، تردد لعدة دقائق قبل أن يضغط على جرس الباب وهو يرتجف.
بعد لحظات، فتح الباب. لم تكن سعاد هي من فتحت، بل كان ابنه الكبير كريم. وقف الشاب الطويل أمام أبيه، وسد المدخل بكتفيه العريضتين، ولم يُظهر أي تعبير ترحيبي أو غاضب، بل كان هادئًا بهدوء مرعب.
قال محمود بصوت منكسر: “كريم.. أنا جاي عشان أتكلم مع أمك، أرجوك خليني أدخل”.
ظهرت سعاد من خلف كريم في الممر. كانت ترتدي ملابس سوداء، وملامح وجهها واضحة المعالم، يكسوها ثبات عجيب وبرود جعله يشعر وكأنه غريب عنها تمامًا. أشرت بعينيها لكريم أن يبتعد، فوقفت أمامه مباشرة وقالت بنبرة هادئة وحاسمة:
“أهلاً يا محمود.. كنت متوقعة إنك تيجي، بس متأخر شوية”.
تراجع محمود خطوة للوراء من هيبة وقوفها وثباتها، وقال بضعف: “سعاد.. أرجوكِ اسمعيني. أنا عارف إنني غلطت، وعارف إن سبع سنين مش سهل تغفريها، بس عشين عشرة عمرنا، وعشان ولادنا.. خلينا نحل الموضوع بينا وبين بعض من غير محاكم وفضايح”.
ابتسمت سعاد ابتسامة ساخرة وباردة، وقالت بصوت هادئ قطع أنفاسه: “حل؟ أي حل تقصده يا محمود؟ الحل اللي كنت بتدور عليه لما كنت بتسرق وقتك وبيتك وتديه لناس ثانية؟ ولا الحل اللي بيصلح كسر قلب ولادك اللي عرفوا إن أبوهم كان بيكذب عليهم طول عمرهم؟”.
اقتربت منه خطوة وقالت بلهجة حاسمة جعلته يرتجف: “أنا مش هفضحك يا محمود، مش عشان خاطرك، بل عشان ولادي اللي ملهمش ذنب يشيلوا عار أبوهم قدام الناس.. بس اسمع مني الكلمتين دول كويس: البيت اللي بنيته في السر، والبيت اللي هدمته في العلن.. هما الاتنين هيكونوا ثمن للي عملته”.
قالت كلماتها الأخيرة وأغلقت الباب في وجهه بقوة، ليقف محمود وحيدًا في الممر المظلم، مدركًا أن الحساب الحقيقي لم يبدأ بعد، وأن ما خفياه معًا لسبع سنين سينفجر في وجهه قريباً ليأخذ كل ما يملك.
*ما هي الخطوة القادمة التي ستتخذها سعاد قانونياً ونفسياً؟ وكيف سيتعامل محمود مع هذا الكامل في حياته المزدوجة؟ (تابع الجزء القادم لمعرفة المزيد).*



