عام

حكايات شيمو 2

تقدم محمود خطوة للأمام وقال بصوت متوسل: “يا عمي.. أرجوك اسمعني، أنا غلطت ومستعدصلح كل حاجة، بس خليني أشوف ندى ويوسف..”.

قاطعه والد ندى بحدة وحسم وهو يشير بيده نحو الشارع: “ندى مش هتفتحلك باب، ويوسف أبوه بيموت قدام عينيه بسبب أفعالك. اللي زيك مينفعش يعيش في بيوت محترمة. اخرج من حياتنا، واعتبر نفسك من اللحظة دي مش موجود لا أب ولا زوج!”.

أغلق والد ندى الباب في وجهه بقوة، لتتصدى لوجهه جدران السلم المظلم. استند محمود بجبينه على الباب المغلق، ودموعه تساقطت بصمت للمرة الأولى بلا شجاعة وبلا أعذار.

*كيف ستنتهي هذه المأساة العائلية؟ وهل سيعثر محمود على طريقة لإنقاذ ما تبقى من روحه أم أن

## الجزء الخامس: ما بعد الرماد

لم يكن الجزء الخامس مجرد فصل جديد في الحكاية، بل كان بداية السقوط في بئر من العزلة لم يتقن محمود التعامل معها قط. بعد أن أُغلق باب أهل ندى في وجهه، وجد نفسه تايهًا في شوارع القاهرة التي كانت تبدو ضخمة وموحشة وكأنها تتسع لكل البشر وتضيق عليه وحده.

عاد إلى شقته الخاوية، الشقة التي كانت يوماً ما تمثل “مملكة السر” الخاصة به مع ندى، والتي أصبحت الآن شاهدًا صامتًا على غبائه. لم يعد هناك رسائل تتوافد على هاتفه تطالبه بالحنان أو اللقاء، ولم يعد هناك طفل صغير يسأله ببراءة عن إخوته. الهاتف أصبح آلة صامتة لا تزعن سوى بإشعارات المحاكم وقضايا النفقة والطلاق التي رفعتها سعاد بكل قسوة وثبات.

في تلك الأيام القاسية، أدرك محمود أن أكبر خسارة مُني بها لم تكن المال الذي تبدد بين المحامين والغرامات، ولا البيوت التي تهدمت جدرانها، بل كانت **خسارة الذات**. لقد تلاشى الاحترام الذي كان يظن أنه يفرضه على الجميع بماله أو بحسن توزيعه لوقته. أصبح رجلاً بلا وجه، يعرفه جيران بيته القديم بـ”الخائن الذي دمر بيته بيديه”، ويعرفه أهل ندى بـ”المخادع الذي استغل ابنتهم”.

وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة، كان محمود جالسًا في الظلام بلا إضاءة، ينظر من شرفة الشقة إلى الشارع، فإذا برجل يعبر الطريق ومعه طفل صغير يحمل حقيبة مدرسية ويلهو بلعبة صغيرة، تمامًا كما كان يفعل يوسف. انقبض قلبه بشدة، وانهار في بكاء حار لم ينفع معه ندم ولا تنهدات.

في تلك اللحظة الحرجة، اهتز هاتفه برعشة خفيفة. نظر إلى الشاشة فوجد رسالة قصيرة من رقم كريم ابنه. فتحها بيدي ترتجفان:

> “يا بابا.. بكرة جلسة النطق بالحكم في قضية ماما. إحنا مش هنطلب منك تحضر، ولا عايزين نضايقك، بس ماما كلفتني أقولك جملة واحدة: ‘الحياة مش بتبدأ بالكدب، بس ممكن تنتهي بالستر لو اعترفت بغلطك’. إحنا مش هنمنعك تشوفنا كأولادك، بس القانون والبيوت ليها حرمة تانية خالص. لو لسه فيك بقايا من أبو كريم اللي كنا نعرفه.. ارحمنا وارحم نفسك وابدأ اعترف بالحقيقة قدام نفسك قبل غيرك.”

>

سقط الهاتف من يده على الأرض، لكن هذه المرة لم يعد مهتمًا بانكساره. وقف متماسكًا ببطء، وفتح ضوء الغرفة، ولأول مرة منذ سبع سنوات، نظر في المرآة طويلًا دون أن يحاول تجميل الواقع أو اختلاق الأعذار. رأى أمامه إنسانًا أعمته الأنانية وظن أن باستطاعته التحكّم في مشاعر الآخرين كما يحلو له.

في صباح اليوم التالي، ذهب محمود إلى المحكمة. لم يحاول الذهاب إلى قاعة الطليقة سعاد ليترجاها، ولم يبحث عن ندى ليبكي على كتفها. وقف بعيدًا في ممر المحكمة، مرتديًا ملابسه البسيطة، عيناه تابعتان لسعاد وهي تسير بخطوات ثابتة وقوية، ويحيط بها كريم ومريم، وقد بدا على وجوههم الاستقرار النفسي والتصالح مع الواقع، رغم الألم.

مرت سعاد بجواره صدفة، فوقفت للحظة، ونظرت إليه نظرة خالية من الكراهية، بل كانت نظرة تشفق على رجل اختار بملء إرادته أن يحفر قبر سعادته بيديه. لم تنطق بكلمة واحدة، بل أكملت طريقها مع أولادها إلى خارج باب المحكمة.

أما محمود، فاستدار بهدوء، وخرج من باب المحكمة الآخر، واضعًا قدمه على طريق طويل وصعب للغاية.. طريق الاعتراف بالخطأ والبحث عن طريق للتوبة والصفح، وإن كان يعلم تمامًا أن بعض الكسور لا يمكن أن تعود كما كانت أبدًا.

*هل يستطيع محمود بعد كل هذا الخراب أن يرمم شيئًا من علاقته بابنه يوسف أو أولاده الكبار؟ (تابع الجزء القادم والأخير لمعرفة الخاتمة الكاملة).*

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى