روايات وقصص

رجعت البيت علشان، حكايات اسما 1

سكتت شوية.

 

وبعدين قالت:

 

— والدتك كانت بتقول قدامهم كلهم إن الحمل خلاني مضطربة نفسيًا… وإن أنا مش مؤهلة أبقى أم كويسة.

 

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

 

لكنها كملت:

 

— وكانت بتقول للعيلة كلها إني بقيت غير مستقرة من ساعة الحمل.

 

قربت منها وقلت:

 

— وليه ما قلتيليش إن ده بيحصل؟

 

بصت بعيد عني.

 

مسكت إيديها، لكنها سحبتهم بسرعة وخبتهم تحت البطانية.

 

مش لأنها زعلانة مني…

 

لكن لأنها كانت مكسوفة إني أشوف إيديها وهي بترتعش.

 

قلتلها:

 

— ماكانش لازم تحميني من الحقيقة.

 

رفعت عينيها ليا، وصوتها اتكسر:

 

— أنا ما كنتش بحميك.

 

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

 

— كنت بحاول أوصل ليوم الولادة من غير ما أخسر بيتنا… أو عيلتنا… أو أخسرك إنت.

 

الكلام وجعني أكتر مما كنت متخيل.

 

وعدتها في اللحظة دي إن أقفال البيت كلها هتتغير قبل ما نرجع.

 

ووعدتها إن محدش هيدخل أوضتها في المستشفى بعد الولادة من غير إذنها.

 

لكن كان فيه سؤال لسه محيرني.

 

قلتلها:

 

— طيب ليه النهارده تحديدًا؟ إيه اللي حصل وخلى ستة أشخاص يقفوا يتفرجوا وأمي تحاصرك تحت السفرة؟

 

غمضت زوجتي عينيها.

 

وسكتت ثواني طويلة.

 

وبعدين قالت بصوت مرتعش:

 

— لأنهم ماكانوش كلهم واقفين بيتفرجوا وبس…

 

بصيتلها وأنا حاسس إن فيه مصيبة أكبر لسه ما عرفتهاش.

 

قالت:

 

— واحد منهم أخد موبايلي مني… ووقف بيني وبين الباب الخلفي علشان ماعرفش أخرج.

 

حسيت كأن الهوا اختفى من الأوضة.

 

لكنها ما خلصتش كلامها.

 

رفعت عينيها وبصتلي مباشرة، وقالت:

 

— وفي حاجة تانية حصلت قبل ما تيجي… حاجة والدتك خلتهم كلهم يوعدوا إنهم ما يقولوهالكش.

 

اتجمدت مكاني.

 

وسألتها:

 

— عملوا فيكي إيه؟

 

فتحت بوقها علشان ترد…

 

لكن اللي قالته بعدها خلاني أفهم إن دخولي البيت في اللحظة دي ماكانش مجرد صدفة.

 

نظرتُ إلي زوجتي بقلب ينفطر، ودموعها التي حاولت إخفاءها أصبحت تملأ عينيها تمامًا. لم أستطع النطق لثوانٍ، وكأن عقلي رفض استيعاب ما أسمعه. عائلتي وأمي التي لطالما افتخرت بها، تحولوا إلى أشبه بعصابة تحاصر امرأة حامل في شهرها الثامن، ترهبها وتمنعها حتى من مجرد الاستغاثة!

— كملي… أرجوكِ، قولي لي إيه اللي حصل كمان؟ — قلتها بصوت منخفض، لكنه كان يحمل غضبًا مكتومًا يكاد يفجر صدري.

اخذت نفسًا عميقًا، وصوتها يرتجف بشدة، وقالت:

— والدتك جابت قرايبنا دول كلهم مخصوص النهارده عشان حاجة خطيرة. من كم يوم، كنت براجع فواتير البيت، ولقيت سحب مبالغ كبيرة جدًا من حسابنا البنكي المشترك… مبالغ مش أنا اللي صرفتها، ولا إنت كنت تعرف عنها حاجة.

شعر برأسي يدور. الحساب المشترك؟ لم يكن هناك أي سحب كبير مؤخرًا، أو هكذا كنت أظن.

تابعت زوجتي بكلامها المتقطع:

— لما واجهت والدتك بالموضوع ده لما جت البيت امبارح وهي مفكره إنك في الشغل، قالت لي بكل برود إن الفلوس دي اتسحبت عشان تكتب شقة عائلية جديدة باسم أخوك الأصغر، وإنها “سلفة مؤقتة” من فلوسنا، وقالت إنها مش محتاجة تأخد رأيي لأن ده “مال العيلة”.

اشتعل الدم في عروقي. شقة لأخي الأصغر؟ من حسابي وحساب زوجتي وبدون علمنا؟!

— ولما اعترضتِ؟ — سألتها بغضب واضح.

— لما قلت لها إني هاقولك فورًا، وان ده حق ابننا اللي جاي، وإننا محتاجين كل قرش الفترة دي، اتجننت. قالت لي إني طماعة، وإني شيطانة عاوزة تخرب بيت عيلة زوجها، وإني بستغلك ضد أهلك. والنهارده جابتهم كلهم عشان يضغطوا عليّا بالتخويف والإهانة، ويخلوني أوقع على ورق إقرار وتنازل إن السحب ده كان بموافقتي واختياري، وإن مفيش أي مبالغ مسروقة، وإني أنا اللي متنازلة عنها برضايا!

اتسعت عيوني بذهول كامل. تنازل قانوني؟ لقد خططوا لكل شيء بدقة شديدة للاستيلاء على أموالنا وتبرير فعلتهم تحت غطاء قانوني وموافقة وهمية من زوجتي المرتعبة!

— والورق ده فين دلوقتي؟ — سألتها بتهور.

— والدتك أخدته معاها… هي والناس اللي كانوا معاها. لما إنت دخلت وفجأة جريت عليّا وسحبتني ومشيت، هما اتخضوا واتهربوا بسرعة من الباب التاني وخدوا معاهم كل الأوراق والموبايل بتاعي.

وقفتُ فجأة من على الكرسي بجانب السرير. لقد فهمت الآن لماذا كانوا جميعًا متواجدين، ولماذا كان هناك ستة أشخاص تحديدًا. لم تكن مجرد إهانة عائلية، بل كانت عملية ابتزاز وترهيب مُدبرة بعناية فائقة.

التفتُّ نحوها، ومسحت دموعها برفق، وقلت بصوت حاسم:

— اسمعيني كويس. اللي حصل ده خط أحمر، ولا أنا ولا ابني اللي جاي هندفع ثمن طمعهم وجشعهم تاني أبدًا. ارتاحي إنتي دلوقتي، واهتمي بصحتك وبس، وسيبيني أنا أتصرف.

— إنت رايح فين؟ — قالتها بقلق وهي تمسك بطرف كمّي.

— رايح أجيب حقك، وحق ابني، وراجعلك. مش هسيبهم يهنوا باللي عملوه، وكل واحد فيهم هيحاسب على اللي شاره وارتكبه في حقك اليوم.

خرجت من غرفة المستشفى، وإغلاق الباب خلفي كان بمثابة إعلان حرب. لم أكن أخطط للشجار فقط، بل كنت أخطط لقصم ظهر هذا المخطط الخبيث من جذوره، ولن أسمح لهم بالاقتراب من بيتي أو زوجتي مرة أخرى إلى الأبد.

خرجت من المستشفى، وكانت النيران تشتعل في صدري؛ غضب أعمى يمزق كل ذرة عقل في داخلي، لكنني كنت أعلم أن الغضب وحدَه لن يعيد حقنا ولن يكسر شوكة أمي وقرايبها الذين تجرؤوا على ترويع زوجتي الحامل في بيتي. ركبت السيارة، وضغطت على عجلة القيادة بقوة جعلت knuckles يدي تبيض من شدة الضغط. كانت الوجهة واضحة: منزل العائلة الكبير، حيث تجمعوا جميعًا، متخيلين أنهم انتصروا وأنهم سيفلتون بفعلتهم الشنيعة.

طوال الطريق، كان شريط الأحداث يتسابق في عقلي؛ كيف استطاعت أمي أن تصل إلى هذا الحد من القسوة؟ كيف تجرأ أخي على قبول أموال مسروقة من عرق تعبي وجهد زوجتي؟ وكيف تجمد أولئك الأقارب ليتحولوا إلى متواطئين وشهود زور في جريمة ابتزاز واضحة؟ كل ثانية تمر كانت تزيدني إصرارًا على أن هذا اليوم سيكون نهاية لسطوة تحكمهم في حياتنا وحياة بيتي إلى الأبد.

وصلت إلى أمام المنزل الكبير. كانت أنوار الدور الأرضي مضاءة، وسيارة خالي مركونة بجوار الباب، مما أكد لي أنهم ما زالوا مجتمعين هناك، ربما يحتفلون بإنجازهم المزعوم أو يتفقون على الخطوة التالية. نزلت من السيارة بخطوات ثابتة وواسعة، لم أكن أتردد، ولم تعد هناك أي مساحة للمجاملات العائلية أو “احترام الكبيرة”. لقد انتهى كل ذلك لحظة رأيت زوجتي مستحبة تحت طاولة السفرة ومرتعشة من الخوف.

لم أطرق الباب بالطريقة المعتادة؛ بل رفعت قدمي وسددت ركلة قوية فتحت الباب على مصراعيه ليدوي صوته في أرجاء المكان كالصاعقة.

عم الصمت التام في الصالة الكبيرة المفاجأة التي عقدت ألسنتهم. كانت أمي جالسة في صدر المجلس، وأخي الأصغر يقف بجانبها، وحولهم بعض الأقارب الذين كانوا متواجدين في بيتي، وبجانبهم طاولة عليها الأوراق وموبايل زوجتي المسروق.

التفتت أمي إلي ووجهها يكسوه مزيج من الصدمة والغضب، ووقفت مستندة على عصاتها وقالت بصوت حاد:

— إنت اتجننت يا ولد؟ إزاي تدخل البيت بالطريقة دي وتسيب مراتك المستهترة لوحدها في المستشفى وتيجي تعلي صوتك هنا؟ شكلك نسيت تربيتي ليك ولا إيه!

لم تمنحني فرصة للرد، فتقدم خالي ليقول بنبرة متعالية:

— عيب يا ابني، مهما حصل دي أمك، ودول أهلك، ومهما عملت مصلحتكم هي اللي تهمنا. اقعد واهدا وخلينا نتفاهم بالراحة بدل الهمجية دي.

نظرت إليهم جميعًا نظرة واحدة، كانت كفيلة بأن تجعل ابتساماتهم المصطنعة تختفي تمامًا. تقدمت بخطوات بطيئة وثابتة حتى أصبحت في منتصف الصالة، على بُعد خطوات معدودة من أمي ومن الطاولة التي عليها الأوراق والموبايل.

— همجية؟ — قلتها بصوت هادئ لكنه كان يحمل نبرة جليدية جعلت المكان يزداد برودة. — الهمجية الحقيقية هي إن مجموعة ناس كبار يقتحموا بيت بيحسبوه أمان، ويحاصروا امرأة حامل في شهرها الثامن تحت الترابيزة، ويهددوها عشان توقع على ورق سحب مسروق من حسابنا البنكي لصالح مين؟ لصالح الهانم اللي قاعدة دي وأخويا المحترم!

شحب وجه أخي الأصغر، وبدأت أمي ترفع صوتها محاولة تغطية الموقف:

— فلوس إيه وكلام فاضي إيه! دي فلوس العيلة، وأخوك أولى بيها، ومراتك هي اللي وافقت برضاها، والورق أهو يثبت…

قبل أن تكمل جملتها، هجمت على الطاولة وخطفت هاتف زوجتي والأوراق بسرعة البرق، ووضعتها في جيبي وسط صرخات اعتراضهم. حاول أخي أن يقف في وجهي ويمسك بذراعي قائلًا بصوت عالٍ:

— انت بتعمل إيه؟ سيب الورق ده فورًا، إنت فاكر نفسك بقيت راجل وتقدر تقف قدامنا ولا إيه؟!

لم أمهله فرصة ثانية؛ بضربة سريعة وقوية دفعتُه بعيدًا عنه حتى اصطدم بالأريكة ووقع عليها من قوة الصدمة. ساد ذعر حقيقي في المكان، ولم يتوقع أحد منهم أن أجرؤ على فعل ذلك أبدًا.

صرخت أمي وهي تضرب بعصاتها على الأرض بجنون:

— مد إيدك على أخوك يا عاق! يا خسارة تربيتي فيك! والله ما هسيبك، ولهأفي عليك البلد كلها لو ما احترمتش نفسك وقعدت!

وقفت قدامها مباشرة، وI looked straight into her eyes، وبصوت خفيض لكنه كالرعد في آذان الجميع قلت:

— تربيتكم دي هي اللي خلتني أعرف إنكم كلكُم عصابة بتسرق وتهدد في الضلمة. واسمعوها مني كلكم كويس… الموبايل ده، والأوراق دي، وتسجيلات الكاميرات اللي جبتها من البيت عندي ومن الشارع، في خلال ساعة هتكون في قسم الشرطة. وساعتها هنشوف قانون “العيلة” والفلوس المسروقة دي هتنفعكم قدام النيابة ولا لأ.

اتسعت عيوب أمي وقرايبها من هول الفضيحة والتهديد الجدي، وبدا على وجوههم الرعب الحقيقي، لأنهم عرفوا تمامًا أنني هذه المرة لن أتنازل، ولن أقفل الصفحة أبدًا إلا بعد أن يأخذ القانون مجراه بالكامل.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى