
كانت أصغر بنات حماتي، اللي كانت متجوزة وقاعدة جنبها سنين من غير ما تحرك ساكن ولا تقف جنبي في يوم. كانت واقفة مكسورة، وشها باين عليه التعب والإرهاق، وعينيها مليانة دموع مش قادرة تخبيها.
بصيت لها باستغراب، وقبل ما أنطق بحرف، سقطت على ركبها قدام الباب وفضلت تعيط بحرقة وقالت بصوت مكسور:
«أرجوكِ يا أبلة.. سامحيني، أنا عارفة إننا كلنا ظلمناكِ ومحدش فينا استاهل طيبتك.. بس أمي تعبانة جداً ومرقدة على السرير في المستشفى، ومحمود مش قارد يعمل حاجة ولا لاقي حد يواسيها أو يمسح دموعها. طول الليل وهي في الغيبوبة بتنادي باسمك.. بتقول: “هاتوا بنتي اللي ظلمتها.. هاتوا اللي كانت بتخاف عليا أكتر من بناتي!”.. أرجوكِ تعالي زوريها، مش عشانها بس، عشان خاطر العشرة والعيش والملح اللي بينا زمان.»
الكلمات نزلت على قلبي زي السكينة. حسيت بصراع صغير جوه روحي؛ وجع السنين والظلم والقهر اللي شفته منهم، قصاد إنسانيتي وتربية أمي اللي عمرها ما علمتني التشفي في مريض ولا قسوة القلب على حد بيموت.
نزلت لمستواها، ورفعته من على الأرض بحنان، وقولت بصوت هادئ ومستقر:
«اقومي يا حبيبتي، مسامحاها ومسامحكم كلكم أمام ربنا. الدنيا فانية، ومحدش بياخد معاها غير عمله الصالح.»
بصت لي بذهول وفرحة وسط الدموع، وقالت: «يعني هتيجي معايا؟! هتيجي تشوفيها؟»
هزيت رأسي بهدوء، وقولت: «آه، هاجي معاكي.. مش عشان أرجع للماضي، ولا عشان أكون خدامة لحد زي الأول.. بس عشان إنسانة بتموت، ووصية أمي ليا دايماً كانت إن الإحسان أصله بيبان وقت الشدة.»
رحت معاها المستشفى، ودخلت العناية المركزة. لقيت حماتي نايمة على السرير الأبيض، وشها دبلان، وجسمها العجوز بقى ضعيف جداً. قربت منها، ومسكت إيديها الباردة، ولقيتها فتحت عينيها ببطء شديد وبصت لي كأنها مش مصدقّة عيونها.
دموعها نزلت على خدها، وقالت بصوت ضعيف بيطلع بصعوبة بالغة:
«أنتِ.. جيتي يا بنتي؟ جيتي تشوفي الست اللي ظلمتك؟»
ابتسمت لها بابتسامة صافية، وربطت على إيديها وقلت: «أنا جيت أطمن عليكِ يا حماتي.. شدي حيلك، وادعي ربنا يغفر لنا كلنا.»
حماتي ضغطت على إيدي بقوة ضعيفة، وبصت للسقف وهي بتقول بصوت متهدج: «ربنا يعوضك خير عن كل دمعة نزلت منك بسببنا.. أنتِ أصيلة، وأنا كنت عمياء.. سامحيني يا بنتي، سامحيني عشان أمك في الجنة ترضى عني.»
بعدها بساعات، فاضت روح حماتي إلى بارئها. وقفت في الجنازة والعزا، لا كذلُولة ولا مكسورة، بل كإنسانة قوية، كريمة، بيحترمها الكل، وقفت جنب بناتها وساعدتهم في كل واجب العزا بأصل طاهر، وودعت الست اللي كانت سبب في عذابي، بس كمان كانت الدرس الأكبر اللي اتعلمت منه إني أبني حياتي بكرامة وإرادة لا تُكسر.
رجعت لبيتي، بيت أمي الحبيب، فتحت الباب، ودخلت وأنا حاسة إن الهواء أنقى، وإن الصفحة دي اتقفلت للأبد وبدأت حكاية جديدة عنوانها: “الست اللي ملكت نفسها وعاشت عزيزة كريمة، ولا هان عليها أصلها ولا فرطت في كرامتها يوم”.




