روايات وقصص

حكايات رشا 1

أخيرًا حضرتك جيتي.

وبعدين خبطت رزمة من الفواتير الورقية على الكاونتر.

تحبي تدفعي بكارت ولا تحويل بنكي؟

ما مدتش إيدي حتى للفواتير.

قلت

الكاميرات فين؟

وشها اتشد لحظة، لكنها بسرعة رجعت تبتسم.

مدام مريم، أنا قلت لحضرتك في التليفون. الكاميرات فيها خصوصية العملاء التانيين.

قلت

طيب فين الشخص اللي استخدم الخدمات؟

ردت

مشي.

بيانات بطاقته الشخصية فين؟

قطبت حواجبها.

ابن حضرتك عميل قديم عندنا. هو كل مرة بييجي لازم يسجل بياناته؟

بصيت لها بثبات.

ابني عنده تلات سنين.

ضحكت كأنها سمعت حاجة مضحكة جدًا.

ورفعت صوتها عمدًا عشان كل الموجودين يسمعوها

مدام مريم، حضرتك مصممة تتكلمي بالطريقة دي، يبقى مفيش حاجة هنعرف نوصل فيها لاتفاق.

حياتكم الخاصة مش موضوعنا. إحنا مش عايزين نسأل كتير. سواء هو ابن حضرتك الحقيقي، أو ابن بالتبني، أو ابن من نوع تاني، دي حاجة تخص حضرتك.

لكن طالما استخدم خدماتنا، لازم حد يدفع.

بدأت الهمسات تنتشر في المكان.

واحد قال بصوت واطي

أهو شكل الموضوع طلع فيه حاجة فعلًا.

واحدة تانية بصت لي بنظرة مليانة شك.

حسيت الڼار بتطلع في صدري.

هما أصلًا مش مهتمين يعرفوا الحقيقة.

كل اللي عايزينه إنهم يرموا الطين عليّ الأول، وبعدها يشوفوا إزاي يبرروا اللي عملوه.

طارق تقدم خطوة لقدام، وطلع كارنيه المحاماة بتاعه.

وقال

أنا المحامي والممثل القانوني للمدام مريم.

ودلوقتي بطلب من إدارة المكان تقديم بيانات الشخص اللي استخدم الخدمات، وكامل تسجيلات كاميرات المراقبة، وملفات الموظفين اللي خدموا العميل، وأي إيصالات أو مستندات تثبت توقيع العميل على كل بند من بنود الفاتورة.

نهى بصت له باحتقار.

وقالت

يعني المحامي هيخوفنا؟

إحنا مكان محترم وبنشتغل بالقانون. معقول نألف فاتورة من دماغنا؟

وبعدين لفتت وندهت على موظفة شابة.

يا سارة، تعالي هنا.

البنت قربت بخطوات مترددة.

كانت لسه في أوائل العشرينات، وشها مدور، وعينيها مليانة خوف.

نهى أشارت لها وقالت

سارة، مش إنتِ اللي كنتِ بتخدمي ابن مدام مريم الليلة؟

البنت بلعت ريقها.

أيوه… أنا دخلت له المشروبات.

نهى ابتسمت بانتصار.

وبصت لي

سمعتي؟ عندنا شاهدة.

بصيت لسارة مباشرة.

وقلت

إنتِ شوفتي بنفسك إن الشخص اللي كان قدامك هو ابني؟

وش سارة شحب فجأة.

وقالت بتردد

أنا… أنا معرفش إذا كان ابن حضرتك ولا لأ. أنا بس سمعت من المديرة نهى إنها قالت كده.

نهى بصت لها بنظرة حادة جدًا.

وقالت

سارة، فكري كويس قبل ما تتكلمي.

البنت اتكمشت من الخۏف.

أما أنا، فركزت في رد فعلها.

البنت دي مش هي اللي دبرت الموضوع.

على الأقل، هي مش العقل المدبر.

لفيت وبصيت لنهى.

وقلت

إنتِ بتقولي إن ابني جه هنا وصرف كل الفلوس دي.

طيب قوليلي عنده كام سنة؟ شكله إيه؟ طوله كام؟

ثواني قليلة، وملامح نهى اتغيرت.

واضح إن السؤال فاجأها.

لكنها حاولت تخفي ارتباكها وقالت بضيق

مدام مريم، حضرتك بتتعمدي تحطي أسئلة تعجيزية. المكان عنده عملاء كتير جدًا، إزاي أفتكر شكل كل واحد؟

ابتسمت بسخرية.

وقلت

يعني إنتِ مش عارفة حتى الشخص شكله إيه، ومع ذلك متأكدة إنه ابني؟

وشها اسود.

قالت

الشخص ده وقّع باسمك، وقال رقم تليفونك صح، وعارف عنوان شركتك كمان.

وبعدين رفعت صوتها

مدام مريم، لو حضرتك عايزة تهربي من دفع الفاتورة، على الأقل طلعي سبب منطقي!

في اللحظة دي، موبايلي اهتز تاني.

فتحت الجروب.

الصورة اللي اتنشرت للفاتورة كانت لسه موجودة، لكن التعليقات زادت بشكل كبير.

وكان واضح إن فيه ناس بتقود الكلام عمدًا في اتجاه معين.

واحد كتب

سمعت إن ابن مدام مريم كبير أصلًا، هو مش ممكن يكون ابن مش قادرين يعلنوا عنه؟

وواحد تاني كتب

لو هي مش قادرة تدفع 180 ألف جنيه، يبقى فلوس الشراكة معاها أمان إزاي؟

لكن أكتر تعليق شد انتباهي كان من شخص أنا عارفاه كويس.

صورة الحساب كانت مألوفة جدًا.

نهال عبدالفتاح.

مديرة الشؤون الإدارية في شركتي.

من شهر واحد بس، أنا كنت وجهت لها إنذار رسمي بعد ما اكتشفت إنها بتاخد عمولات سرية من موردين الشركة.

والنهارده كانت قاعدة تعمل نفسها حزينة في الجروب، وكتبت

المدام مريم يمكن تكون مشغولة جدًا بشغلها، وعشان كده قصرت شوية في تربية ابنها. بلاش نحكم عليها بقسۏة.

بصيت للرسالة فترة طويلة.

وبعدين قفلت الموبايل بهدوء.

لأن في اللحظة دي، الصورة بدأت تكتمل قدامي.

الموضوع مش مجرد فاتورة مزورة.

اللي قدامي كان فخ متخطط له من أكتر من شخص.

ومديرة مركز السبا ما كانتش لوحدها.

كان فيه حد من جوه شركتي كمان…

وحد عنده سبب قوي جدًا إنه عايز يشوه سمعتي، ويخسرني ثقة الناس، ويفتح الباب لأكبر ضړبة ممكن تتوجه لشركتي.

رفعت عيني وبصيت لنهى.

وبعدين بصيت لسارة.

وبعدها لطارق.

وقلت بهدوء

تمام.

نهى رفعت حاجبها.

تمام إيه؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

ولا حاجة.

أنا بس بدأت أفهم اللعبة.

ولأول مرة من ساعة ما وصلت للمكان، اختفت العصبية من صوتي تمامًا.

لأنني عرفت إنهم ارتكبوا غلطة واحدة كبيرة جدًا.

هم اختاروا اسم ابني، طفل عمره تلات سنين، عشان يلبسوه چريمة مستحيل يرتكبها.

وده معناه إن إثبات براءته…

هيكون أسهل حاجة في القضية كلها.

أما اللي عمل الفخ الحقيقي…

فأنا كنت ناوية أخليه يدفع تمنه بالكامل.

نهى رفعت حاجبها وقالت بحدة

لعبة إيه يا مدام مريم؟

ما رديتش عليها.

اكتفيت إني بصيت لطارق.

هو فهم نظرتي من غير ما أتكلم.

قال بهدوء

إحنا مش هنمشي دلوقتي.

نهى اتوترت.

حضرتك بتقصد إيه؟

طارق طلع موبايله وقال

أقصد إن موكلتي طلبت تسجيلات الكاميرات، وإنتِ رفضتي. طلبنا بيانات الشخص اللي استخدم الخدمات، ورفضتي. طلبنا أي مستند يثبت إن طفل عنده تلات سنين كان موجود عندكم، وبرضه مفيش.

وبعدين ابتسم ابتسامة باردة

فدلوقتي هنستنى الشرطة تيجي، ونخليهم يطلبوا كل حاجة رسمي.

نهى حاولت تحافظ على هدوئها.

اتفضلوا استنوا.

قالتها بثقة زيادة عن اللزوم.

وده بالذات هو اللي خلاني أشك أكتر.

الإنسان البريء عادةً بيكون عايز يثبت براءته.

لكن نهى كانت بتتصرف كأنها متأكدة إن كل الأدلة اختفت.

أو إن حد وعدها إنه هيتصرف.

بصيت على الساعة.

كانت الساعة اتنين وسبعة وعشرين دقيقة.

الاستقبال كان هادي نسبيًا، لكن التوتر كان واضح على وشوش الموظفين.

سارة كانت واقفة في جنب المكان، بتحرك صوابعها في بعض من الخۏف.

قربت منها بهدوء.

قلت

سارة.

بصت لي.

أيوه؟

أنا مش جاية أأذيكي.

قالت بسرعة

أنا والله ما عملت حاجة.

أنا عارفة.

وشها اتغير.

عارفة؟

هزيت رأسي.

أيوه. عشان كده هسألك سؤال واحد بس.

سكتت.

قلت

الشخص اللي ډخلتي له المشروبات… كان طفل؟

سارة فتحت بوقها، لكن ما خرجش صوت.

بصت ناحية نهى.

وبعدين رجعت بصت لي.

قلت

بصيلي.

بصت لي.

كان طفل؟

هزت رأسها بالنفي.

قلبي دق بسرعة.

كان راجل؟

هزت رأسها.

شاب؟

هزت رأسها مرة تانية.

قلت

عنده حوالي كام سنة؟

قالت بصوت منخفض

في التلاتينات تقريبًا.

نهى صړخت

سارة!

البنت اتخضت.

لكن طارق وقف قدامها وقال

سيبيها تتكلم.

نهى قالت

هي مش فاهمة هي بتقول إيه.

بصيت لسارة وقلت

إنتِ ډخلتي له إيه؟

قالت

أول حاجة مشروبات… وبعدها المدير طلب مني أطلع المشروبات التانية.

مين المدير؟

سكتت.

نهى؟

هزت رأسها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى