
طارق طلب مراجعة الحسابات القديمة.
وبعد ثلاثة أيام، ظهر أول شيء غريب.
شركة صغيرة اسمها الصفوة للخدمات الإدارية كانت بتستلم مبالغ شهرية من شركتي.
المشكلة؟
الشركة دي ما كانش ليها أي موظفين عندنا.
ولا عقد حقيقي واضح.
ولا خدمات مسجلة.
والأغرب
إن الحساب البنكي بتاعها كان مرتبط بشخص واحد.
نهال عبدالفتاح.
نهال ما كانتش مجرد موظفة بتحب تاخد عمولات.
كانت عاملة شركة وهمية.
ومن خلالها كانت بتحول مبالغ صغيرة بشكل منتظم.
لكن في وسط التحويلات ظهر مبلغ واحد مختلف تمامًا.
مليون ومئتين ألف جنيه.
المبلغ خرج من حساب شركة مريم إلى شركة الصفوة قبل الحاډثة بشهر.
اتصلت بطارق فورًا.
المبلغ ده إيه؟
رد
دي أهم ورقة في القضية كلها.
ليه؟
لأنه ممكن يثبت إن نهال كانت بتسرق من الشركة من قبل ما شريف يدخل في الموضوع.
قلت
وشريف؟
طارق قال
استني.
بعد ساعات، ظهرت المفاجأة.
جزء من المبلغ خرج من حساب الصفوة بعد أسبوعين.
واتحول لشركة تابعة لشريف.
لكن التحويل ما كانش باسم شريف.
كان تحت بند
استشارات تجارية.
ضحكت بمرارة.
استشارات؟
طارق قال
استشارات بمليون ومئتين ألف؟
واضح إن شريف كان كريم أوي.
لكن لسه كان فيه سؤال.
هل المليون ومئتين ألف هم كل حاجة؟
لا.
كان فيه مبلغ أكبر.
حوالي ثلاثة ملايين جنيه خرجوا من الشركة على مدار سنة ونصف تحت مسميات مختلفة.
جزء منها راح لشركات وهمية.
وجزء راح لحسابات أشخاص ما نعرفهمش.
وبدأنا نراجع كل واحد.
وفي النهاية ظهر اسم واحد متكرر.
حسام الديب.
مدير الحسابات السابق.
الرجل اللي كان شغال في الشركة قبل المدير الحالي.
واللي استقال فجأة من سنة ونص.
طارق طلب استدعاء حسام الديب.
وفي البداية أنكر.
لكن لما حطينا قدامه التحويلات، وشهادات البنوك، وعقود الشركات الوهمية، وشريط تسجيل المكالمات اللي حصلت عليها النيابة بطريقة قانونية
انهار.
وقال الحقيقة.
هو اللي كان بيسرب بيانات الشركة لشريف.
وهو اللي عرف نهال على شريف.
وهو اللي ساعد في تحويل الأموال.
لكن لما سألناه عن حاډثة السبا، قال
أنا ما كنتش عارف إنهم هيستخدموا اسم الطفل.
سألته
مين اللي اقترح الفكرة؟
سكت.
طارق قال
لو هتتكلم، اتكلم.
قال
شريف.
اتجمدت.
شريف؟
أيوه.
ليه؟
قال إن مريم طول عمرها حريصة على سمعتها جدًا، وإن أكتر حاجة ممكن تهز صورتها قدام شركائها هي ابنها.
غمضت عيني.
كنت فاكرة إن اللي حصل مجرد محاولة لإحراجي.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
كانوا بيستخدموا ابني كسلاح ضدي.
في نفس الليلة، روحت البيت.
آدم كان نايم.
دخلت أوضته وقعدت جنبه.
بصيت لوشه الصغير.
وفكرت في اللي كان ممكن يحصل لو الناس صدقت فعلًا إن طفل عنده تلات سنين راح سبا وصرف خمسين ألف جنيه.
كان ممكن صورتي كأم تتدمر.
وكان ممكن شركتي تخسر عملاء.
وكان ممكن شريف يستغل كل ده.
مديت إيدي ولمست شعر آدم.
وقلت لنفسي
خلاص يا حبيبي محدش هيستخدمك ضدي تاني.
بعد أسبوع، عقدنا اجتماع مجلس الإدارة.
دخل شريف القاعة وهو فاكر إن الاجتماع مجرد محاولة للتفاوض.
كان لسه مصمم يشتري نسبة من الشركة.
قعد وقال
أنا شايف إن مريم محتاجة شريك قوي يساعدها بعد الأزمة الأخيرة.
بصيت له.
أي أزمة؟
اتوتر.
اللي حصل في السبا.
ابتسمت.
الأزمة اللي حضرتك صنعتها؟
سكت.
طارق دخل بعدها.
ووضع الملفات على الطاولة.
أول ملف.
تحويلات مالية.
ثاني ملف.
شركة الصفوة.
ثالث ملف.
مراسلات بين نهال وحسام الديب.
رابع ملف.
تحويلات وصلت لشركات مرتبطة بشريف.
وأخيرًا
التسجيل.
صوت شريف واضح.
وهو بيقول
خلي الموضوع شكله طبيعي. أهم حاجة مريم تدفع الفلوس وتخلص، وساعتها الخبر ينتشر.
سكتت القاعة كلها.
شريف بص لطارق.
وبعدين بص لي.
التسجيل ده متفبرك.
طارق رد
التسجيل خضع للفحص الفني.
حسام الديب كان حاضرًا كشاهد.
ونهال قدمت اعترافاتها.
ومحمود أكد التفاصيل.
كل الأبواب اتقفلت.
شريف حاول يقوم.
لكن الشرطة كانت مستنياه بره.
وقبل ما يخرج، وقف قدامي وقال
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟
بصيت له بهدوء.
لأ.
سكت.
قلت
أنا مش بحارب عشان أكسب عليك.
وقفت.
أنا بحارب عشان محدش يكرر اللي عملته معايا مع حد تاني.
القضية أخدت شهور.
لكن النتيجة كانت واضحة.
شريف اتحال للمحاكمة في القضايا المتعلقة بالاحتيال والتحريض والتلاعب بالمستندات والاتفاق مع آخرين للإضرار بمصالح الشركة.
نهال واجهت اتهاماتها.
وحسام الديب كمان.
أما مركز اللوتس، فاتقفل نهائيًا بعد ما ظهرت مخالفات وتلاعب في الفواتير والبيانات.
وسارة، الموظفة اللي كانت خاېفة في البداية، شهدت بالحقيقة.
وأنا ساعدتها تلاقي شغل جديد.
لأنها رغم خۏفها في الآخر قررت تقول الحقيقة.
بعد ست شهور، كنت واقفة في مكتبي.
المكان كان مختلف.
كل الأنظمة اتغيرت.
أي موظف بقى له صلاحية محددة.
البيانات الشخصية بقت مشفرة.
مفيش موظف يقدر يطلع شهادة ميلاد طفل أو صورة بطاقة بدون إذن رسمي.
والحسابات بقت بتراجع بشكل دوري.
مش بس عشان الفلوس.
عشان الثقة.
دخل طارق المكتب.
وحط قدامي ملف.
خلصنا.
خلصنا من إيه؟
آخر قضية.
فتحت الملف.
كانت المحكمة أثبتت مسؤولية المتهمين عن الجزء الأكبر من المخطط.
وبالنسبة لشريف، تم تجميد أصول مرتبطة بالأموال محل الڼزاع، والشركة بدأت تسترد جزءًا من حقوقها عبر الإجراءات القانونية.
قفلت الملف.
وسندت ضهري على الكرسي.
أخيرًا.
طارق ابتسم.
مبسوطة؟
بصيت من الشباك.
آه.
وبعدين قلت
بس مش عشانهم.
أمال؟
ابتسمت.
عشان آدم.
بالليل، رجعت البيت.
لقيت آدم مستنيني عند الباب.
جري عليا.
ماما!
نزلت لمستواه وحضنته.
قال
جبتِلي حاجة؟
ضحكت.
أيوه.
طلعتهاله.
لعبة صغيرة كان نفسه فيها.
فرح جدًا.
وقعد يلعب على الأرض.
بصيت له وافتكرت أول ليلة.
الساعة كانت واحدة وسبعة وعشرين دقيقة.
مكالمة غريبة.
فاتورة بخمسين ألف جنيه.
اتهام سخيف.
وخوف.
وقلق.
وإحساس إن حياتي كلها ممكن تقع بسبب كڈبة.
لكن في النهاية
الكذبة هي اللي وقعت.
مش أنا.
بعد كام يوم، وصلني ظرف بالبريد.
ما كانش عليه اسم مرسل.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو رجع الزمن، كنت هعمل نفس الحاجة بس بطريقة أذكى.
بصيت للورقة.
وبعدين ضحكت.
مش خوف.
ولا توتر.
ضحكة هادية.
لأني كنت عارفة إن المرحلة دي انتهت.
مزقت الورقة.
ورميتها في سلة المهملات.
وبعدين قفلت باب المكتب.
لأن أهم درس اتعلمته ما كانش إن الناس ممكن تأذيك.
ده كنت عارفاه.
الدرس الحقيقي كان
إن الثقة من غير حدود ممكن تتحول لنقطة ضعف.
وأنا أخيرًا اتعلمت أحط الحدود.
مش حوالين قلبي.
لكن حوالين حياتي.
وحوالين ابني.
وحوالين كل حاجة بنيتها بإيدي.
أما الخمسين ألف جنيه اللي بدأوا كل الحكاية؟
في الآخر اكتشفت إنهم كانوا أرخص جزء في المؤامرة.
لأن اللي كانوا عايزين يسرقوه مني ما كانش خمسين ألف جنيه.
كانوا عايزين يسرقوا سمعتي، وشركتي، وثقتي في نفسي.
لكنهم فشلوا.
والسبب الوحيد إنهم فشلوا
إنهم افترضوا إني لما أتعرض للضغط، هنهار.
وما عرفوش إن بعض الناس لما تتحاصر
بتبدأ تشوف الحقيقة أوضح.
ومن يومها، كل ما أفتكر المكالمة الأولى، وأفتكر صوت الموظفة وهي بتقول
ابنك عليه فاتورة بخمسين ألف جنيه.
بفتكر إني وقتها كنت مړعوپة.
لكن النهارده؟
لو نفس المكالمة جتني
هضحك.
وهقول
هاتوا الفاتورة وخلونا نشوف مين اللي كتب اسمه عليها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




