روايات وقصص

حكايات صافى

«يعني إنت اللي خليتها تبعد عني؟»

هز رأسه.

«لا. أنا ساعدتها تعمل اللي هي اختارته. الفرق كبير.»

وبعدين مد إيده لورقة أخيرة في الملف.

«لكن فيه حاجة تانية، ودي اللي مريم اكتشفتها وخلتها تزعل مني أنا كمان.»

أخدت الورقة.

كانت صورة لرسالة قديمة بين محمود وشخص من إدارة أعمالي، وفيها كلام عن بيع أحد الأصول لتغطية مصروفات طارئة.

رفعت رأسي.

«إيه ده؟»

قال:

«قبل ولادة ليلى، كان فيه مبلغ مخصص لحاجات تخص بيتك وتجهيزات البنت. واحد من المسؤولين عندك طلب تحويل جزء منه لمشروع تاني، وقال إنك موافق.»

قلبي دق بسرعة.

«وأنا كنت موافق؟»

«لأ. لما راجعت الأوراق، اكتشفت إن مفيش موافقة واضحة منك. وقفت التحويل، وبلغت المحامي. لكن مريم كانت شافت نسخة من المراسلات، وافتكرت إن الفلوس اللي كنت مخصصها ليها وللبنت اتسحبت من غير علمها.»

قلت بغضب:

«مين المسؤول ده؟»

محمود بصلي، وقال اسم مدير الحسابات اللي كنت معتمده في كل شغلي.

حسيت بالغضب بيغلي جوايا، لكن محمود رفع إيده.

«استنى. أنا مش بقولك إنه سرق. الأوراق محتاجة مراجعة، ومفيش دليل نهائي على إنه كان بيحاول يسرق الفلوس. اللي حصل إن فيه تحويل اتوقف، وإن مريم شافت الورق وفقدت ثقتها في كل حاجة حواليها.»

سكت شوية، وبعدها قال:

«ولما طلبت مني أساعدها، وعدتها إني مش هستخدم الموضوع عشان أضغط عليها ترجعلك، ولا هخبي عنها أي حاجة تخص حق بنتها.»

بصيتله.

«وإنت كنت ناوي تقولي الحقيقة دي إمتى؟»

رد:

«كنت مستنيك تبطل تدور على طريقة ترجع بيها مريم، وتبدأ تدور على طريقة تفهم بيها هي مشيت ليه.»

فضلت ساكتًا.

لأول مرة، بدأت أفهم إن مريم مكنتش بتواجه علاقتي الأخرى بس.

كانت بتواجه سنين من الوعود اللي بتتأجل، والقرارات اللي بتتاخد من غير ما تسمع رأيها، والخوف من إن كل حاجة في حياتها مرتبطة بمزاجي وقدرتي على فرض رأيي.

واللي كسرها في النهاية، إني سبتها وهي بتولد.

قمت من مكاني، وخدت الملف.

قلت لمحمود:

«أنا مش عارف أسامحك على إنك خبيت عني، لكنني مش هقدر ألومك إنك وقفت جنبها لما أنا غبت.»

محمود نزل عينيه.

«أنا غلطت لما سكت، وكان لازم أقولك إن فيه حاجة محتاجة تتراجع. لكنني مش ندمان إني ساعدتها تحمي نفسها.»

خرجت من عنده وأنا شايل الملف، وحاسس إن حياتي كلها محتاجة تتراجع من أولها.

في اليوم التالي، طلبت من المحامي شريف مراجعة كل الأوراق المتعلقة بتجهيزات ليلى، ومصاريف علاجها، وأي تحويلات مالية اتعملت في الفترة اللي فاتت.

طلبت منه كمان إن مريم تعرف بكل التفاصيل، من غير ما أخبي عنها أي ورقة أو أستخدم المحامين عشان أضغط عليها.

وبالفعل، خلال أيام، اتضح إن التحويل المالي اللي أثار الشكوك كان طلبًا داخليًا اتوقف قبل تنفيذه، وإن مفيش دليل على إن أي مبلغ من مصاريف علاج ليلى اتسرق.

لكن التحقيق كشف إن مدير الحسابات كان بيتصرف بإهمال، وبيستخدم اسم الإدارة في طلبات مالية من غير موافقات مكتملة.

أنهيت تعاقده بعد مراجعة قانونية، وسلمت كل المستندات للجهات المختصة عشان الموضوع يتعالج بشكل رسمي.

مكنتش عايز أعمل استعراض قوة، ولا أفرض رأيي، ولا أخلي اسم يوسف العدوي سبب إن الناس تسكت.

كنت عايز أعرف الحقيقة، وأصلح الضرر اللي حصل.

وبعد ما اتأكدت إن كل حقوق ليلى المالية محفوظة، طلبت من شريف يبلغ مريم بالنتيجة، ويبعث لها نسخة من كل المستندات.

بعد يومين، اتصلت بيا.

أول ما سمعت صوتها، قلبي دق بسرعة.

قالت:

«وصلتني الأوراق يا يوسف.»

قلت:

«كويس. لو فيه أي حاجة مش واضحة، شريف يقدر يشرحها لك، وأنا مستعد أقدم أي مستندات إضافية.»

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

«أنا كنت خايفة إنك تحاول تستخدم الموضوع عشان تثبت إني غلطانة لما مشيت.»

رديت بهدوء:

«كان من حقي أراجع اللي حصل، لكن مكنش من حقي أستخدمه ضدك. إنتِ كان عندك أسبابك، وأنا مسؤول عن جزء كبير من اللي وصلك للحالة دي.»

مريم سكتت، وبعدين قالت:

«أنا محتاجة وقت يا يوسف.»

قلت:

«خديه كله.»

«ومش عايزاك تبعتلي هدايا، ولا تبعت حد يسأل عني كل يوم.»

«حاضر.»

«أنا هبلغك بأخبار ليلى، ومواعيد زياراتك هتفضل زي ما اتفقنا.»

«تمام.»

وقبل ما تقفل، قلت:

«مريم، فيه حاجة واحدة بس عايز أقولها. أنا مش بطلب منك ترجعي، ومش عايزك تحسي إنك مطالبة تسامحيني. أنا بس عايزك تعرفي إنني فهمت إن بنتنا مش محتاجة أبوها يبقى أقوى راجل في المنطقة. هي محتاجة أبوها يبقى موجود لما تحتاجه.»

سكتت طويلًا، وبعدها ردت بصوت واطي:

«أتمنى تكون فهمت ده فعلًا يا يوسف.»

وقفلنا.

مقلتش إنها سامحتني.

ومقلتش إنها هترجع.

لكنها سمعتني، ودي كانت أول مرة نتكلم فيها من غير ما أحاول أفرض عليها نهاية معينة.

مرت ثلاثة شهور.

ثلاثة شهور كنت بحاول فيهم أعيش بشكل مختلف.

بطلت أتعامل مع كل خلاف كأنه معركة لازم أكسبها.

بقيت أسمع الناس قبل ما أرد.

وبقيت أراجع قراراتي بدل ما أفترض إن كل اللي بقوله صح لمجرد إن محدش بيقدر يعترض.

أما شغلي، ففضل ماشي، لكنني بدأت أوزع المسؤوليات بشكل أوضح، وأسيب مساحة للناس إنها تناقشني وتراجع قراراتي.

حازم فضل معايا، لكن علاقتنا اتغيرت.

في البداية كنت غاضب منه لأنه سكت، لكنه اعترف بغلطه، وأنا اعترفت إنني كنت السبب في إن اللي حواليّ يخافوا يقولولي الحقيقة.

ومحمود، أخويا، رجعنا نتكلم بالتدريج.

مكنتش سامحته بالكامل، لكنه كان صريحًا معايا، وأنا كنت محتاج أتعلم إن الثقة مش معناها إن مفيش أخطاء، لكنها معناها إننا نقدر نواجه الأخطاء من غير ما نهرب منها.

أما مريم، فكانت بتخليني أشوف ليلى في مواعيد منتظمة، وكنت بحضر كل متابعة طبية أقدر أحضرها.

ليلى بدأت تكبر.

وزنها زاد، ونفسها بقى أفضل، والدكاترة طمنونا إن نموها بيتقدم بشكل كويس، مع استمرار المتابعة.

أول مرة ضحكت فيها، كنت قاعد جنب سريرها، وبحاول ألفت نظرها بلعبة صغيرة.

ضحكت ضحكة خفيفة، وفضلت أضحك معاها كأني طفل.

مريم كانت واقفة عند الباب، وابتسمت من غير ما تتكلم.

ولما رفعت عيني ليها، لقيتها بتبص علينا.

قلت لها:

«شفتي؟ ضحكت!»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى