روايات وقصص

حكايات صافى

قالت:

«أيوه، ضحكت.»

وبعدين قربت، وخدت اللعبة مني، وبدأت تلعب معاها هي كمان.

كانت لحظة بسيطة جدًا، لكنها بالنسبة لي كانت أغلى من كل الاحتفالات اللي عملتها في حياتي.

لأنني لأول مرة كنت موجودًا في لحظة حقيقية من حياة بنتي، مش مجرد صورة أو خبر وصلني متأخر.

بعد ما ليلى نامت، مريم قعدت في الصالة، وأنا وقفت بعيد شوية.

قالت:

«يوسف، عايزة أتكلم معاك.»

قلبي اتقبض، لكنني قعدت قدامها.

قالت:

«أنا شايفة إنك بتحاول، ومش هقول إن كل حاجة بقت كويسة، لكن فيه فرق بينك وبين الراجل اللي سابني في المستشفى.»

نزلت عيني.

«أنا عارف إن الفرق ده لسه محتاج يثبت نفسه.»

هزت رأسها.

«بالضبط. أنا مش عايزة أرجع لنفس العلاقة لمجرد إنك بقيت أحسن شوية. أنا عايزة أعرف إذا كان التغيير ده هيستمر لما الدنيا تضغط عليك، ولما يحصل خلاف، ولما أقولك لأ.»

قلت:

«من حقك تختبري ده، ومن حقك كمان متديش العلاقة فرصة تانية لو مش عايزة.»

بصتلي بدهشة بسيطة، وكأنها كانت مستنية مني أقول إننا لازم نرجع عشان بنتنا.

قالت:

«أنا كنت فاكرة إنك هتقول إن ليلى محتاجة بيت فيه أبوها وأمها.»

رديت:

«ليلى محتاجة أبوها وأمها يكونوا بخير، سواء في بيت واحد أو في بيتين. مش عايزها تكبر وسط اتنين عايشين مع بعض وهم بيتوجعوا كل يوم.»

مريم سكتت، وبعدها نزلت عينيها.

كانت أول مرة أسمعها تتنهد براحة قدامي من شهور.

قالت:

«أنا مش هقولك إني سامحتك، لكنني مستعدة نبدأ نتكلم بهدوء، من غير وعود كبيرة.»

حسيت إن قلبي اتملأ بالأمل، لكنني مظهرتش ده بشكل يخوفها أو يضغط عليها.

قلت:

«ده كفاية دلوقتي.»

وبعدها مشينا كل واحد في طريقه، من غير ما أطلب منها أكتر من اللي كانت مستعدة تقدمه.

بعد ستة شهور من ولادة ليلى، قررت أعمل حاجة كنت مأجلها من سنين.

رحت المقبرة اللي فيها قبر أبويا، وخدت معايا محمود.

وقفنا قدام القبر، وفضلنا ساكتين شوية.

وبعدين قلتله:

«فاكر لما أبويا كان يقولنا إن الراجل اللي محدش يقدر يقوله لأ، لازم يخاف من نفسه أكتر من أي حد؟»

محمود هز رأسه.

«فاكر.»

قلت:

«أنا قضيت عمري كله بحاول أبقى الراجل اللي الناس تحسب لكلامه قبل ما تعارضه. وفي الآخر، بقيت بخاف أسمع كلمة لأ من أقرب الناس ليا.»

محمود حط إيده على كتفي.

«لسه تقدر تصلح اللي تقدر عليه.»

بصيتله وقلت:

«أنا مش هقدر أرجع اليوم اللي ليلى اتولدت فيه. ومش هقدر أرجع لمريم الشهور اللي قضتها لوحدها. لكنني أقدر أضمن إن بنتي متحتاجش تستنى أبوها زي ما أمها استنته.»

فضلنا واقفين شوية، وبعدها مشينا.

وأنا راجع، تليفوني رن.

كانت مريم.

رديت فورًا.

قالت:

«يوسف، ليلى تعبانة شوية، وعندها سخونية. أنا رايحة للدكتور، ومش عايزة أقلقك، لكن لو تقدر تيجي تقابلنا هناك يبقى كويس.»

وقفت العربية على جنب الطريق.

«أنا جاي حالًا. إنتِ في الطريق؟»

«أيوه.»

«تمام، ابعتيلي اسم العيادة، وأنا هكون هناك.»

قفلت المكالمة، وتحركت.

وفي الطريق، حسيت بالخوف اللي كنت فاكره مات جوايا.

الخوف على بنتي.

لكن المرة دي، مكنتش بعيد، ومكنتش محتاج حد يقنعني أتحرك.

وصلت قبلهم، وفضلت مستني عند باب العيادة.

ولما مريم دخلت وهي شايلة ليلى، قربت منهم بسرعة.

سألتها:

«حرارتها كام؟»

قالت:

مش عالية قوي، لكن أنا فضلت أجي أطمن.»

دخلنا للدكتور، وفحص ليلى، وقال إن عندها دور برد بسيط، وإننا لازم نتابع الحرارة ونعمل اللي أوصى بيه، ولو ظهرت أي علامات مقلقة نرجع فورًا.

خرجنا، ومريم كانت شايلة بنتنا.

قلت لها:

«أنا هوصلكم لو تحبي.»

هزت رأسها.

«ماشي.»

ركبنا العربية، ومشينا في هدوء.

كانت دي أول مرة من ساعة ما سابت البيت نكون في عربية واحدة من غير توتر أو خوف أو كلام عن الماضي.

ولما وصلنا، نزلت وفتحت لها الباب، وساعدتها تدخل.

قبل ما تمشي ناحية الشقة، بصتلي وقالت:

«شكرًا إنك جيت بسرعة.»

قلت:

«دي بنتي يا مريم.»

ابتسمت ابتسامة بسيطة.

«عارفة.»

الجملة كانت قصيرة، لكنها فضلت ترن في ودني طول الليل.

لأنها المرة دي قالتها من غير ما يكون وراها عتاب.

بعد مرور سنة كاملة على ولادة ليلى، كنت واقف في البلكونة، ببص على الشارع، لما سمعت ضحكة بنتي من جوه البيت.

ليلى بقت بتتحرك وتلعب، وبتحاول تنطق كلمات بسيطة، وكل يوم كانت بتكتشف حاجة جديدة.

مريم كانت جوه بتحضر لها الأكل، وأنا كنت بلعب معاها على الأرض.

في الفترة دي، علاقتي بمريم مارجعتش فجأة زي زمان.

مكناش بننسى اللي حصل، ومكنتش بتعامل مع كل ابتسامة منها على إنها وعد بالرجوع.

كنا بنتكلم، ونتفق على مواعيد ليلى، ونختلف أحيانًا، لكننا بدأنا نتعلم إزاي نختلف من غير ما نكسر بعض.

وفي يوم، مريم طلبت مني أقابلها في نفس المكان اللي كنا بنروحله زمان، قبل ما حياتنا تبقى مليانة شغل ومواعيد ومشاكل.

وصلت، ولقيتها قاعدة على ترابيزة جنب الشباك.

قعدت قدامها.

قالت:

«أنا فكرت كتير في كل اللي حصل.»

سكت، وسيبتها تكمل.

قالت:

«في البداية، كنت فاكرة إن لو إنت رجعت واعتذرت، كل حاجة ممكن ترجع زي الأول. لكن بعدين فهمت إنني مش عايزة أرجع للي كنت عليه، حتى لو إنت بقيت أحسن.»

هزيت رأسي.

«أنا كمان مش عايز نرجع لنفس الحياة.»

قالت:

«أنا عايزة لو هنبدأ من جديد، نبقى شخصين مختلفين. مش زوج وزوجة بيحاولوا ينسوا اللي حصل، لكن اتنين فاهمين إن الثقة لازم تتبني من الأول.»

بصيتلها، وحسيت إن الكلام اللي كنت مستنيه من سنة بقى قدامي، لكن المرة دي مكنتش عايز أستعجله.

قلت:

«أنا موافق. ومش هطلب منك تنسي أي حاجة.»

مريم مدت إيدها، وحطت فوق الترابيزة صورة صغيرة لليلى.

قالت:

«أنا مش بعمل ده عشان ليلى بس. أنا بعمله لأنني شايفة إن فيه تغيير حقيقي، لكن ده مش معناه إن كل حاجة اتصلحت. هنحتاج وقت، وممكن نحتاج مساعدة متخصص في العلاقات الأسرية، وهنحتاج نتكلم بصراحة حتى لما الكلام يكون صعب.»

قلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى