روايات وقصص

حكايات صافى

«أنا مستعد.»

رفعت عينيها ليا.

«وفيه شرط مهم.»

ابتسمت ابتسامة بسيطة.

«قولي.»

قالت:

«لو في يوم حسيت إنك رجعت للراجل القديم، أو إنك شايف إن فلوسك واسمك يدوك الحق تتحكم فيا، أنا همشي. ومش هفضل مستنية لحد ما يحصل شيء أكبر.»

بصيتلها وقلت:

«أنا مش هطلب منك تتنازلي عن حقك في إنك تحمي نفسك.»

مريم سكتت شوية، وبعدها قالت:

«طيب. نبدأ واحدة واحدة.»

خرجنا من المكان، وروحنا نشوف ليلى.

كانت قاعدة على الأرض، وحواليها ألعابها، وأول ما شافتنا زحفت ناحيتنا وهي بتضحك.

شلتها، ومريم قعدت جنبي.

ليلى مدت إيديها الصغيرة ناحية وش أمها، وبعدها بصتلي وضحكت.

ضحكنا إحنا الاتنين.

في اللحظة دي، فهمت إن البيت مش مجرد سقف وأثاث، وإن العيلة مش مجرد ورق رسمي أو اسم كبير.

العيلة هي الأمان.

هي إن الطفل يلاقي أبوه وأمه موجودين لما يحتاجهم.

وإن الزوجة متضطرش تتوسل عشان زوجها يسمعها.

وإن الراجل يفهم إن القوة مش إنه يخلي الناس تخاف منه، لكن إنه يقدر يعترف بغلطه، ويتحمل نتيجته، ويغير نفسه من غير ما يطلب تصفيق من حد.

بعدها بشهور، بدأنا نرتب حياتنا بشكل جديد.

مريم احتفظت بمساحتها الخاصة، وأنا احتفظت بمسؤولياتي تجاه ليلى، وكنا بنتفق على كل قرار يخص بنتنا من غير ما واحد فينا يحاول يفرض رأيه على التاني.

ماكانش كل يوم سهل.

فيه أيام كنا بنتكلم فيها عن الماضي ونتوجع.

وفيه أيام مريم كانت بتفتكر موقف قديم، فتسكت فجأة، وأنا كنت أتعلم إني ما أستعجلش عليها، ولا أقول لها إنها لازم تكون نسيت.

وفيه أيام كنت أنا نفسي بحس بالذنب، لكنني بدأت أفهم إن جلد الذات مش هيصلح اللي حصل، وإن المطلوب مني أكون أفضل في اليوم اللي أنا عايشه.

أما داليا، فبعد ما انتهت علاقتنا، اختفت من حياتي تمامًا.

عرفت بعد فترة إنها سافرت تعيش في محافظة تانية، وبدأت شغلًا جديدًا.

مبعتلهاش، ومحاولتش أرجع أفتح أي باب قديم.

مش عشان كنت عايز أعاقبها، لكن لأنني أخيرًا فهمت إن كل واحد مسؤول عن اختياراته، وإنني مش محتاج ألوم حد تاني عشان أهرب من مسؤوليتي.

وبالنسبة للشغل، فضلت أراجع كل حاجة بنفسي، لكنني بطلت أخلي الناس تخاف تقول رأيها.

بقيت أسمع الاعتراض قبل ما أصدر القرار، وأطلب مراجعة قانونية قبل ما أوافق على أي إجراء، وأفصل بين سلطتي في الشغل ومسؤوليتي في البيت.

فريقي استغربوا التغيير في البداية.

بعضهم افتكر إني بقيت أضعف.

لكنني اكتشفت إن اللي كان بيخليهم يطيعوني من غير كلام، مش بالضرورة احترامهم ليا.

أحيانًا كان مجرد خوفهم من رد فعلي.

أما دلوقتي، فكنت عايزهم يعرفوا إنهم يقدروا يقولوا الحقيقة، حتى لو الحقيقة مش على هوايا.

وفي يوم، حازم دخل مكتبي، وحط قدامي ملفًا.

قال:

«يا باشا، فيه قرار محتاج مراجعتك، وأنا شايف إنه غلط.»

ابتسمت.

«طيب، اقعد وقولي ليه.»

بصلي باستغراب، وبعدها قعد وبدأ يشرح.

ولما خلص، اكتشفت إنه عنده حق.

عدلت القرار، ووقعت الورق.

حازم قام، وقبل ما يخرج، قال:

«أنا مكنتش أتخيل إن حضرتك ممكن تغير رأيك بعد ما تاخد قرار.»

ضحكت وقلتله:

«وأنا مكنتش أتخيل إنني ممكن أكون غلطان للدرجة دي.»

خرج وهو بيبتسم.

أما أنا، ففضلت باصص من الشباك، وافتكرت الليلة اللي بدأت فيها الحكاية كلها.

الليلة اللي كان ممكن أرجع فيها لمريم، لكنني اخترت أفضل في الفندق.

كنت فاكر وقتها إنني بكسب ليلة جميلة، وإن الدنيا كلها تحت سيطرتي.

لكنني كنت بخسر لحظة عمرها ما هترجع.

كنت بخسر أول صرخة لبنتي، وأول حضن بين مريم وليلى، وأول فرصة حقيقية أثبت فيها إنني زوج وأب قبل ما أكون يوسف العدوي.

والحقيقة اللي اتعلمتها متأخر، إن الإنسان ممكن يقضي عمره كله يبني إمبراطورية، وفي لحظة واحدة يكتشف إن أهم حاجة في حياته كانت بتنهار وهو مش واخد باله.

وفي عيد ميلاد ليلى الأول، قررنا نعمل احتفال صغير في البيت.

مريم اختارت الزينة، وأنا جبت تورتة بسيطة، وجبنا كام لعبة مناسبة لسنها.

مفيش ضيوف كتير، ولا قاعة فخمة، ولا استعراض قدام الناس.

كان فيه أنا ومريم وليلى، ومحمود وحازم، وشوية من أقرب الناس لينا.

ليلى كانت لابسة فستانًا صغيرًا، وبتحاول تمسك الشمعة بإيديها، ومريم كانت بتضحك وهي بتبعد إيدها عنها.

بصيت لمريم وقلت:

«فاكرة لما كنا بنحلم باليوم ده؟»

ابتسمت بحزن بسيط.

«فاكرة.»

قلت:

«أنا كنت بتخيل نفسي واقف جنبك، وبصور كل لحظة، وبقول لكل الناس إن دي أحلى بنت في الدنيا.»

مريم بصتلي.

«لسه تقدر تعمل ده.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى