
رفعت التليفون، وصورت ليلى وهي بتضحك، وبعدها حطيته على الترابيزة وقعدت ألعب معاها.
مكنتش عايز أفضل ورا الشاشة، أصور حياتي بدل ما أعيشها.
وفي وسط الضحك، ليلى مدت إيديها ناحيتي، وقالت كلمة صغيرة كانت بتحاول تتعلمها من فترة:
«بابا.»
اتجمدت مكاني.
بصيت لمريم، وعيوني اتملت بالدموع.
ليلى كررتها تاني:
«بابا.»
شلتها وحضنتها، وفضلت أبوس راسها، وأنا مش قادر أتكلم.
مريم كانت واقفة جنبنا، وعينيها بتلمع.
همست لها:
«دي أول مرة تقولها.»
قالت:
«أيوه.»
فضلت حضن بنتي، ولما رفعت رأسي، لقيت مريم بتبصلي بابتسامة هادية.
ماقالتش إنها سامحتني على كل حاجة.
ومقلتش إن الماضي انتهى.
لكنها كانت موجودة، وأنا كنت موجودًا، وليلى كانت بيننا، آمنة ومحبوبة.
وده كان كفاية لليوم ده.
بعد ما الضيوف مشيوا، ومحمود وحازم خرجوا، قعدت أنا ومريم في الصالة، وليلى نايمة في أوضتها.
قلت لها:
«مريم، أنا عارف إنك مش هتقدري تنسي اللي حصل، ومش عايزك تنسيه لو نسيانه هيخليكي تتنازلي عن حقك. لكنني عايزك تعرفي إنني مش هعتبر وجودك جنبي حق مكتسب.»
بصتلي بهدوء.
كملت:
«أنا مش عايزك ترجعي عشان أنا تعبت، ولا عشان الناس هتتكلم، ولا عشان بنتنا محتاجة شكل معين للعيلة. أنا عايزك تفضلي جنبي لو إنتِ فعلًا حاسة إنك آمنة وسعيدة.»
مريم نزلت عينيها، وفضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت:
«أنا مش هقدر أقولك إن كل اللي جوايا اختفى. فيه حاجات لسه بتوجعني، وفيه أيام بفتكر فيها اللي حصل وأحس إني رجعت لنفس اللحظة.»
هزيت رأسي.
«عارف.»
قالت:
«لكن فيه حاجة اتغيرت. أنا مبقتش مستنية منك إنك تنقذني. أنا بقيت عارفة إني أقدر أحمي نفسي وبنتي، ولو اخترت أكمل معاك، هيكون ده اختيار مني، مش خوف من إني أعيش لوحدي.»
حسيت إن الكلام ده أكبر هدية ممكن أسمعها.
لأن مريم أخيرًا بقت واقفة على رجليها، ومبقتش محتاجة تتعلق بيا عشان تحس بالأمان.
قلت:
«وده اللي كان لازم يحصل من زمان.»
ابتسمت، وبعدها قامت تطمن على ليلى.
وقفت أراقبها وهي داخلة أوضة بنتنا، وشعرت بامتنان عميق، مش لأنها رجعت لحياتي بالشكل اللي كنت بتمناه، لكن لأنها قدرت تبني لنفسها حياة آمنة، وتديني فرصة أكون جزءًا منها من غير ما أتملكها.
عدت سنتين على الليلة اللي رجعت فيها من السفر، وكنت فاكر إن حياتي انتهت لما لقيت البيت فاضي.
لكن الحياة مكانتش انتهت.
كانت بتبدأ من جديد، بطريقة أصعب وأهدى، ومن غير ضمانات.
مريم اختارت إنها تدي علاقتنا فرصة تانية بالتدريج، بعد ما شافت إن التغيير مش مجرد اعتذار أو فترة مؤقتة من الاهتمام.
ومع الوقت، بقينا نقدر نتكلم عن اللي حصل من غير ما كل كلمة تتحول لخناقة.
ما رجعناش لنفس الحياة القديمة، لأن الحياة القديمة هي اللي وصلتنا لليلة دي.
بنينا حياة جديدة، فيها حدود واضحة، وقرارات مشتركة، واحترام لحق كل واحد فينا إنه يعبر عن خوفه وغضبه من غير ما يتعاقب عليه.
ليلى كبرت، وبقت تعرف إن بابا وماما بيحبوها، وإنها مش مسؤولة عن أي خلاف حصل بينهم.
ومريم فضلت دايمًا تقوللي إن أهم حاجة نعملها عشان بنتنا، إننا منخليهاش تحس إنها لازم تختار طرف على حساب التاني.
أما أنا، فبقيت كل سنة في يوم ميلاد ليلى أفتكر الساعة تلاتة واثناشر دقيقة الفجر.
الساعة اللي بنتي اتولدت فيها، وأنا كنت بعيد.
ومهما عدت سنين، ومهما كبرت ليلى، اللحظة دي هتفضل علامة في حياتي.
مش عشان أعيش باقي عمري أعاقب نفسي عليها، لكن عشان عمري ما أرجع أستهين بلحظة وجودي جنب حد محتاجني.
في عيد ميلادها التالت، كانت ليلى بتجري في البيت، ومريم بتحاول تلحقها عشان تلبسها فستانها.
ضحكت وأنا بشيلها.
قالتلي:
«بابا، إنت هتيجي معانا بكرة الحضانة؟»
بصيتلها وقلت:
«طبعًا يا حبيبتي.»
قالت:
«وعد؟»
اتجمدت لثانية.
الكلمة دي رجعتني لليلة القديمة، لما مريم قالتلي: أرجوك رد عليا لو كلمتك، وأنا قلت لها: وعد يا حبيبتي.
وعد ماحافظتش عليه.
قربت ليلى مني، وبصيت في عينيها وقلت:
«وعد يا ليلى. وهكون هناك قبل المعاد.»




