روايات وقصص

حكايات صافى

وفي اليوم التالي، كنت أول واحد واقف قدام باب الحضانة.

وصلت قبل المعاد بنص ساعة، وفضلت مستني لحد ما بنتي خرجت تجري ناحيتي.

حضنتها، وشلت شنطتها الصغيرة، ومشينا سوا.

ولما رجعت البيت، لقيت مريم واقفة عند الباب.

بصتلي وقالت:

«وصلت بدري؟»

ابتسمت.

«قبل المعاد بنص ساعة.»

ضحكت وقالت:

«واضح إنك أخدت الموضوع بجد.»

قلت لها:

«فيه وعود مينفعش تتقال وخلاص.»

سكتت، وبعدها قربت مني وقالت:

«أنا فخورة إنك بقيت تفهم ده.»

الجملة دي كانت أغلى من أي لقب أخدته، وأغلى من كل الناس اللي وقفت يومًا قدامي وهي بتحسب كلامها قبل ما تنطق باسمي.

لأنني أخيرًا كنت بسمع من مريم كلامًا مكنتش محتاج أفرضه عليها، ولا أشتريه بهدية، ولا أطلبه منها عشان أرتاح.

كنت بسمعه لأنها شافت التغيير بنفسها.

وفي الليلة دي، بعد ما ليلى نامت، قعدت جنب مريم في البلكونة.

بصيت للشارع، وافتكرت الراجل اللي كنت عليه قبل سنين.

الراجل اللي كان فاكر إن الفلوس تقدر تصلح كل حاجة، وإن النفوذ يقدر يفتح كل باب، وإن الاعتذار كلمة كفاية تمسح أي وجع.

وبعدين بصيت لمريم، وقلت:

«تعرفي إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟»

قالت:

«إيه؟»

قلت:

«مش إني اشتريت لداليا عقد وعربية، ولا إني سافرت معاها. أنا ندمت إني في اللحظة اللي كنتِ محتاجاني فيها، خليتك تحسي إنك لوحدك.»

مريم بصتلي طويلًا، وبعدها قالت:

«دي كانت أكتر لحظة كسرتني يا يوسف.»

نزلت عيني.

كملت:

«لكن اللي خلاني أفكر في فرصة تانية، إنك بطلت تطلب مني أنسى. بقيت بتسمعني، وبتتحمل زعلي، ومبقتش تعتبر كل دمعة مني اتهام ليك.»

قلت لها:

«أنا اتعلمت إن اللي بيحب حد، مش من حقه يطالبه ينسى الوجع عشان يرتاح هو.»

مريم مدت إيدها، ومسكَت إيدي.

فضلنا ساكتين شوية، وبعدها قالت:

«أنا مش ناسية يا يوسف. لكنني بقيت قادرة أفتكر من غير ما أعيش نفس الوجع كل مرة.»

ضغطت على إيدها برفق.

«وده كفاية.»

وفي اللحظة دي، سمعت صوت ليلى من جوه الأوضة بتنادي علينا.

قمنا إحنا الاتنين، ودخلنا نطمن عليها.

كانت نايمة، لكن أول ما شافتنا، مدت إيديها الصغيرة لينا.

مريم شالتها، وأنا قعدت جنبهم.

بصيت لبنتي، وبعدها لمراتي، وفهمت إن أغلى حاجة في حياتي مكنتش الإمبراطورية اللي بنيتها، ولا الفريق اللي كانوا بينفذوا أوامري، ولا الخوف اللي كنت بفرضه على الناس.

أغلى حاجة كانت عيلة صغيرة، كان ممكن أخسرها للأبد بسبب غروري.

عيلة مكنتش محتاجة مني أبقى أقوى راجل في البلد.

كانت محتاجة مني أبقى راجل صادق، يسمع، ويحترم، ويفي بوعده.

ومن يومها، كل ما حد يسألني إيه أكتر موقف غير حياتي، بفتكر الساعة تلاتة واثناشر دقيقة الفجر.

الساعة اللي اتولدت فيها بنتي، واتولد جوايا ندم هيفضل معايا طول العمر.

لكنني مش هخلي الندم يبقى نهاية حكايتي.

هخليه السبب اللي يخليني كل يوم أختار أكون أب أفضل، وزوج يستحق الثقة، وإنسان يعرف إن القوة الحقيقية مش إنك تقدر تخلي الناس تنحني قدامك.

القوة الحقيقية إنك تقدر تعترف إنك غلطان، وتتحمل نتيجة غلطك، وتصلح اللي تقدر عليه، من غير ما تطلب من حد إنه يسامحك غصب عنه.

أنا يوسف العدوي، الراجل اللي كان فاكر إن الدنيا كلها تحت سيطرته.

لكن بنتي الصغيرة، اللي اتولدت قبل ميعادها بسبع أسابيع، علمتني إن فيه حاجات في الدنيا أغلى من كل اللي أقدر أشتريه.

علمتني إن لحظة واحدة من الغياب ممكن تكسر سنين من الحب، وإن ألف هدية مش هتعوض حضن اتأخر، وإن البيت مش هو المكان اللي اسمك مكتوب على بابه.

البيت الحقيقي هو المكان اللي الناس فيه بتحس بالأمان.

والحب الحقيقي مش وعد بتقوله وإنت مطمن إن الطرف التاني هيستناك مهما عملت.

الحب الحقيقي إنك تحافظ على وعدك، خصوصًا لما محدش يقدر يجبرك عليه.

أما مريم، ففضلت طول عمري فاكر إنني أنا اللي خسرتها في الليلة دي.

لكن الحقيقة إني خسرت نفسي قبلها بوقت طويل، يوم ما بدأت أصدق إن سلطتي أهم من مشاعرها، وإن وجودها في حياتي مضمون مهما عملت.

ولما رجعت ولقيت البيت فاضي، افتكرت إن مريم أخدت مني بنتي وبيتي.

لكنني فهمت بعد كده إنها مكانتش بتاخد مني حاجة.

هي كانت بتنقذ نفسها وبنتها من حياة مبقتش قادرة تستحملها.

وأنا، لو كنت عايز أرجع أكون جزءًا من حياتهم، كان لازم أتعلم إن الباب اللي بيتقفل بسبب الوجع، مش بيتفتح بالضغط ولا بالفلوس.

بيتفتح بالاحترام، والصبر، والأفعال اللي بتثبت كل يوم إن اللي كسر الثقة قادر يتعلم إزاي يحافظ عليها.

ومن يومها، بقيت كل ليلة قبل ما أنام، أروح أبص على ليلى وهي نايمة، وأحمد ربنا إنه اداني فرصة أكون جنبها وهي بتكبر.

وبعدها أروح لمريم، وأقول لها كلمة واحدة، من غير ما أطلب منها ردًا معينًا:

«تصبحي على خير يا مريم.»

وأحيانًا كانت تبتسم وترد:

«وإنت من أهله يا يوسف.»

وأحيانًا كانت تكتفي بابتسامة هادية.

 

وفي الحالتين، كنت بتعلم إن الحب مش معناه إن الطرف التاني لازم يديك نفس اللي بتتمناه في اللحظة اللي إنت عايزها.

الحب معناه إنك تحترم اختياره، وتفضل مسؤولًا عن تصرفاتك، حتى لما تكون النتيجة مش على هواك.

ومن يوم ما رجعت من السفر، فهمت إن فيه لحظات في الحياة لو ضيعتها، مش هتعرف تشتريها مهما كنت غني، وإن أغلى حاجة ممكن يخسرها الإنسان مش فلوسه ولا سلطته… أغلى حاجة إنه يخسر ثقة الناس اللي حبوه بصدق، وبعدها يكتشف إنهم كانوا كل ثروته الحقيقية.

14 من 14التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى