روايات وقصص

حكايات رشا 1

عشان اكتشف إني أخيرًا بقيت في مكان ما يقدرش يتحكم فيه في كلامي، ولا يمنعني إني أقول اللي أعرفه.

 

زياد وقف مكانه من غير ما يتحرك، وكأنه اتحول لتمثال.

 

ولأول مرة في الليلة دي، فهمت حاجة مرعبة.

 

أبويا ما باعنيش عشان أنا غالية عنده، ولا عشان شايف إن ليا قيمة.

شروق_ خالد

أبويا ارتكب غلطة عمره.

 

سلّم الشخص الوحيد اللي عارف أسراره الأوسخ والأخطر، لأخطر راجل في القاهرة كلها….

## الجزء الثاني

خطوات إسماعيل خالد كانت بتهز أرضية القصر من تحت، وصوته العالي كان مالي المكان وهو بيزعق في رجالة زياد اللي كانوا واقفين يمنعوه من الصعود.

**- سيبوني أطلع! بنتي فوق، وأنا عندي الحق أخدها وأمشي!**

في أوضة النوم، السكون كان بيقطع بعضه. زياد ما شالش عينه من على وشي، وكأنه بيحاول يقرا كل حرف وكل سر مخبي وراء عيوني المتروسة بالدموع. الندوب اللي على جسمي كانت لسه ظاهرة، دليل صامت وناطق على سنين من العذاب والتحكم.

زياد مد إيده ببطء، من غير ما ينزل عينه عني، وفتح الدرج اللي جنب السرير وطلع منه مسدس أسود كاتم للصوت. فحص الخزنة بثقة وهدوء مريب، وبعدين رفعه وحطه جنبه على الترابيزة.

قال بصوت واطي وخشن، كأنه بيمهد لعاصفة:

* فريدة… اسمعيني كويس. كل اللي فات ده حاجة، واللي هيحصل دلوقتي حاجة تانية خالص. لو اللي في دماغك صح، إسماعيل مش هيطلع من القصر ده حي.

بصيت له برعب وقريت في عينيه مش غضب عابر، دي كانت رغبة تدمير كاملة.

قلت بصوت شبه مسموع من كتر الخوف:

* زياد… انت ما تعرفش هو عمل إيه. إسماعيل مش مجرد رجل أعمال خسر فلوس، إسماعيل… إسماعيل شيطان بيلبس بدلة شيك.

قبل ما أقدر أكمل، الباب اتفتح بعنف. سيف، أخو زياد الأصغر، دخل الأوضة وبان على وشه الغضب الشديد، وكان ماسك فونه في إيده.

قال بصوت حاد:

* زياد، إسماعيل عامل مصيبة تحت. بيقول إننا خطفنا بنته وإننا لازم نسيبها، بس الأغرب من كده إن معاه محامين ورجال صحافة واقفين بره بوابة القصر! هو بيحاول يعمل ضغط إعلامي عشان نطرده ونسيبه يهرب باللي وراه.

زياد ضحك ضحكة قصيرة، جافة، ومرعبة لدرجة إنها خلت سيف يسكت مكانه.

بص زياد لأخوه وقال:

* صحافة؟ ومحامين؟ وهو من إمتى إسماعيل خالد بيلجأ للقانون والناس؟ ده معناه إن السكينة وصلت لعضمه يا سيف. هو خايف من حاجة أكبر بكتير من فلوسنا. هو خايف إن فريدة تنطق باللي تعرفه.

سيف بَص لي باستغراب، ولما شاف الندوب اللي على جسمي والملامح المرعوبة اللي على وشي، عينيه اتسعت، وفهم نظرة أخوه.

سيف سأل بصوت منصدم:

* إيه ده؟

زياد اتحرك بسرعة ووقف قدامي، غطاني بجاكته اللي كان فكها من شوية، وقال بحسم:

* البسي حاجة دافية يا فريدة. ونزلي شعرك. الليلة دي، حكايتنا احنا هتبتدي من تحت، قدام الكل.

نزلنا السلم الواسع بتاع القصر. الإضاءة الخافتة للثريا الكريستالية كانت منعكسة على مرايات المدخل.

تحت في الصالة الكبيرة، كان إسماعيل خالد واقف في وسط رجالة زياد، ووشه أصفر وعينيه بتتحرك في كل مكان زي الفار المحشور في زاوية. ولما شافني نازلة مع زياد، ورايا سيف، ملامحه اتغيرت من الغضب المزيف للرعب الحقيقي.

صرخ إسماعيل وهو بيشاور عليا:

* فريدة! تعالي هنا فوراً! الراجل ده ضحك عليكي!

زياد نزل الخطوات الأخيرة، وصوته الرخيم ملا الصالة كلها وقال ببرود قاتل:

* رافع صوتك في بيتي ليه يا إسماعيل؟ ولا يكونش عاجبك الضيافة؟

إسماعيل بلع ريقه بصعوبة، وحاول يجمع هيبته المكسورة، وقال وهو بيبصلي بنظرة تحذير قديمة عرفتها وحفظتها من صغري:

* بنتي… البنت جاهلة وما تفهمش حاجة في صفقات الكبار. أنا جيت أخدها بيتها، والفلوس… الفلوس هتدخل حسابك بكرة الصبح كاملة، بس سبها تمشي معايا!

زياد وقف قدامه مباشرة، وكان أطول منه وأقوى، وبص له بنظرة تخلي أي ميت يقوم من قبره.

قال زياد بهدوء مرعب:

* فلوس إيه اللي بتتكلم عنها؟ هو انت مفكر إن الموضوع كله عشان شوية ملايين خسرتها؟

إسماعيل اتجمد، وقال بصوت مهزوز:

* أم… أمال إيه؟ مش دي ثمن الديون؟

زياد التفت وبص لي نظرة طويلة، وبعدين رجع بصه لإسماعيل وقال:

* انت باعت فريدة ليا عشان تخلص من ديونك، بس غبي لدرجة إنك ما عرفتش انت بعت مين ولا بعت إيه. انت بعت الشي الوحيد اللي ممكن يوديك حبل المشنقة يا إسماعيل.

إسماعيل اتجنن، ووجه كلامه ليا بصوت عالي كأنه بيحاول يرهبني زي ما كان بيعمل زمان:

* فريدة! اخرسي! إياكي تنطقي بحرف واحد! إنتي سامعة؟!

جريت خطوة قدام، ولأول مرة في حياتي، حسيت إن الرعب اللي جوه قلبي اتحول لشجاعة تانية خالص. بصيت في عيون أبويا اللي ما كنتش بشوف فيها غير القسوة والتحكم، وقلت بصوت ثابت:

* سنين طويلة وأنت بتهددني إني لو فتحت بوقي هتدمرني… سنين طويلة وأنا مخبية على جسمي آثار قسوتك وجنونك. بس خلاص يا بابا… اللعبة خلصت.

إسماعيل صرخ بجنون:

* كدابة! دي بنت مجنونة وبتخرف!

سيف في اللحظة دي طلع فلاش ميموري صغيرة من جيبه، ورماها على الترابيزة اللي قدام إسماعيل، وقال بصوت حاد:

* مش خرافات يا إسماعيل بيه. رجالتنا وصلوا للخزنة السرية بتاعتك في الفيلا القديمة. التسجيلات الصوتيّة والمستندات اللي بتدينك في قضية اغتيال شركائك القدام، وفي الحادثة اللي دبرتها عشان تخفي شهود عيان… كلها بقت معانا.

إسماعيل وقع على كعب رجليه، ووشه بقى أبيض تمامًا كالجثة الهامدة. بَص لي نظرة مليانة توسل وهزيمة، بس قلبي كان حجر.

زياد قرب مني، وحط إيده الدافية على كتفي بحماية وتملك، وبص لإسماعيل وقال بصوت هادئ ومنخفض:

* دلوقتي، مفيش محامين ولا صحافة هيقدروا ينقذوك من اللي عملته. فريدة بقت مراتي، وحمايتها بقت مسؤوليتي الشخصية… ودم أخուս سيف، ودم سنين فريدة الضائعة، هتدفع ثمنهم بالقرش الواحد.

إ إسماعيل حاول يجري ويهرب للباب، لكن رجالة زياد كانوا سبقوه وقفلوا الباب الحديدي الكبير للقصر.

زياد بص لي وقال بصوت حنون لأول مرة:

* خلصتي حسابك مع الماضي يا فريدة؟

بصيت لزياد، ولمست الندوب اللي تحت جاكته، وحسيت لأول مرة إن الكابوس انتهى، وإن القسوة اللي في عينيه لما دخلت الأوضة، اتحولت لدرع حقيقي بيحميني أنا وبس.

رديت بثقة:

* أه يا زياد… خلص للأبد.

 

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى