روايات وقصص

أول يوم بعد الفرح 2

* “أهلاً يا بشرى.. شكراً إنك جيتي.. مكنتش متوقع إنك هتقبلي.”

مدخلتش لجوه بسرعة، وقفت على الباب وقلت بصوت هادئ ومحايد تماماً:

* “أنا جيت عشان أنهي كل حاجة، مش عشانك يا زياد.. ادخلني للحاج محمود.”

هز راسه باستماتة وفتح لي الباب وسحبني للصالون الصغير، ومنه لأوضة نوم داخلية ريحتها دوا ورطوبة. على السرير الخشبي القديم، كان الحاج محمود العزّام نايم، جسمه نحيل جداً وشعره أبيض طويل، وراقد بين الحياة والموت، وبيتنفس بصعوبة بالغة.

أمه وأخته كانوا قاعدين في جنب الأوضة، أول ما شافوني، نزلوا راسهم في الأرض من الكسرة والذل، ومقدروش ينطقوا بحرف واحد من الشماتة القديمة اللي كانوا بيستقووا بيها زمان.

قربت من السرير ببطء، والحاج محمود فتح عيونه ببطء شديد، وفضل يرمش كأنه بيحاول يركز في الوش اللي واقف قدامه. ولما عرفني، صدر عنه صوت شخير خفيف من صدره، ودمعة سخنة نزلت من عينيه على خدود الملسوعة بالتجاعيد.

رفع إيده الضعيفة والمرتعشة، وبص لي بنظرة كلها توسل واسترحام، وقال بصوت مشروط وضعيف جداً:

* “بشرى.. سامحينا.. كنا ظالمين.. الجبروت عمانا.. أنا بموت يا بنتي.. سامحيني.”

فضلت باصة له بثبات تام، من غير ما يتغير في ملامحي أي تعبير. حطيت إيدي في جيبي، وقلت بصوت هادئ وقوي ملا الفيلا الضيقة دي كلها:

* “يا حاج محمود.. أنا جيت هنا النهارده مش عشان أقولك ‘مسامحاك’، لأن الظلم اللي عملتوه في حق ناس كتيرة مش أنا بس، ملوش غفران بسهولة. بس جيت عشان أقولك حاجة واحدة.. ربنا سبحانه وتعالى عادل، والفلوس والجاه والعز اللي افتكرتوا إنهم هيحموكُم، طاروا في هواء، وبقيتوا في المكان اللي كنتوا بتستصغروه زمان.”

كملت وأنا ببص لزياد اللي واقف جنب السرير بيبكي بصمت:

* “الدنيا دي دار ممر، واللي يبني بيته على ظلم الضعفاء وكسرة نفوسهم، بينهار عليه في أول هزة. أنا صفيت حسابي معاكم بالقانون، والدنيا أخدت حقها تالت ومثلث.”

غمض الحاج محمود عيونه بقوة، وصدر عنه نفس طويل، وبعدها سكت تماماً. الأجهزة البسيطة اللي جنبه أعلنت توقف كل شيء. البيت كله املى بصوت صراخ أمه وأخته، بينما زياد وقع على ركبتيه قدام السرير وبكى بانهيار كامل.

بصيت لهم نظرة أخيرة،درت ظهري ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة برة الشقة كلها.

ركبت عربيتي، وطلعت على الطريق المفتوح، وفتحت زجاج العربية عشان هوا الليل الهادي يخبط في وجهي، وأنا ببتسم وعارفة إن القصة انتهت.. وانتهت للأبد.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى