
### الجزء الخامس
مرت الشهور بعد اللقاء القصير ده في المطعم، والحياة كانت ماشية في إيقاعها الطبيعي الهادئ والمنظم. شقتي بقت واحة السلام والراحة بعد سنين من التخطيط والتجميع والانتظار والتحضير للمعركة القانونية الكبرى ضد عيلة العزّام.
أما إمبراطورية العزّام، فتحولت رسمياً لقصة من قصص الفساد الكبرى اللي الصحافة الاقتصادية والقضائية بتتكلم عنها كعبرة لكل من يفتكر إن المال والجاه ممكن يشتروا الضمائر أو يحموا الظالم من عاقبة أفعاله. الحاج محمود العزّام دخل المستشفى في العناية المركزة نتيجة جلطة دماغية حادة أصابته بعد صدور الحكم النهائي بمصادرة كافة أمواله وممتلكاته لصالح الدولة والبنوك الدائنة، وبقى طريح الفراش بلا حول ولا قوة. أخته وأمه هربوا من المجتمع ومن نظرات الشماتة اللي كانت بتحاصرهم في كل مكان، وانتقلو لمحافظة تانية بعيدة، بيعيشوا في بيت قديم ومتهالك لا يكفي حتى لتغطية أبسط احتياجاتهم اليومية.
أما “زياد”، فبقى شبح للإنسان المغرور اللي كان يوم من الأيام. بقايا كبريائه انتهت تماماً، واضطر يشتغل بأبسط الوظائف المتاحة في مدينة بعيدة عشان يقدر يصرف على نفسه وأهله، وكل ما كان بيفتكر نظرتي الأخيرة ليه يوم المطعم، كان بيحس بمدى غبائه وسذاجته.
وفي يوم ربيعي هادي، كنت قاعدة في مكتبي الخاص، براجع العقود النهائية لشركة الاستشارات القانونية والمالية الجديدة اللي أسستها بجهودي وبأرباح مشروعة بعيدة عن أي شبهات. تليفوني رن، وبصيت على الشاشة لقيت رقم “شريف”.
فتحت الخط، وصوته الجهوري والمليان سعادة وصلني فورا:
* “بشرى هانم، مبروك رسميًا! آخر حكم قضائي صدر النهاردة بخصوص قضايا التلاعب العقاري بتاعتهم، وبكده الملف القانوني لعيلة العزّام اتقفل نهائيًا وبشكل كامل. ما بقاش ليهم أي ثغرة قانونية ولا أي أمل حتى في استرجاع جنيه واحد.”
ابتسمت براحة عميقة، ورديت عليه بصوت هادئ:
* “الحمد لله يا شريف.. تعبت معايا كتير على مدار السنين اللي فاتت، وشغلك وجهدك مكنش له سعر.”
* “ده مش شغل يا هاني.. ده كان حق رجع لأصحابه. المهم، فيه خبر تاني مهم.. كبار المستثمرين في السوق طلبوا يعقدوا اجتماع رسمي الأسبوع الجاري عشان يوقعوا عقد الشراكة الكبرى مع شركتنا الجديدة، وبكده هتكوني على رأس أكبر مؤسسة استشارية في مصر.”
* “تمام يا شريف، جهز كل الملفات، وأنا هكون موجودة في المعاد المحدد.”
قفلت الخط، وقمت وقفت قدام نافذة مكتبي الواسعة اللي بتطل على نيل القاهرة الساحر. الشارع كان مليان حركة وحياة، والناس بتسعى في أرزاقها بكرامة وشرف. بصيت لصباع إيدي الشمال، المكان اللي كانت فيه دبلة زياد زمان، وفكرت في اليوم اللي دخلت فيه بيتهم كزوجة ضعيفة مفكرينها صيد سهل.
ضحكت في نفسي بصوت هادئ، وأنا واثقة إن الكرامة الإنسانية أغلى بكتير من أي تاج مزيف أو فلوس مسروقة. اليوم ده ما كانش بداية نهاية عيلتهم بس.. ده كان بداية ولادة حقيقية لروح جديدة ما تقبلش أبدًا إلا العز والشموخ والاحترام.
### الجزء السادس
الحياة بعد العاصفة كان ليها طعم تاني خالص؛ طعم الهدوء اللي بيجي بعد معركة طويلة وصعبة كسبتها بكل جدارة وثبات. شركتي الجديدة للاستشارات القانونية والمالية بقت في وقت قصير جداً واحدة من أهم وأبرز المؤسسات في السوق، واسمي بقى بيتقال باحترام وتقدير بين كبار رجال الأعمال والمستثمرين، مش بس عشان كفاءتي المهنية، ولكن لأن الكل عرف إن الست دي لا يمكن الاستهانة بيها أبداً، وإنها بتعرف تاخد حقها وحق غيرها بالقانون والدراع القوي.
في يوم صيفي دافئ، كنت قاعدة في مكتبي الفاخر بخلص توقيع مجموعة من العقود المهمة، وسكرتيرتي دخلت بخطوات هادئة ومعاها ظرف أبيض مقفول بإحكام.
بصيت لها باستغراب، وسألتها:
* “إيه ده يا مريم؟”
ردت بهدوء:
* “في شخص واقف تحت في الاستقبال يا فندم، رافض يمشي لحد ما يسلم الظرف ده بايده لحضرتك.. وكمان رافض يقول اسمه، بس شكله متعب جداً.”
رفعت حواجب باهتمام، وفتحت الظرف ببطء. كان جواه ورقة مقطوعة من كشكول قديم، مكتوب عليها بخط إيد مهزوز وضعيف كلمات قليلة:
> “بشرى.. عارف إن اللي عملته لا يُغتفر، وعارف إن كلامي مش هيغير حاجة.. بس أبويا بيموت، وفي آخر أيامه بيطلب يشوفك عشان يطلب السماح قبل ما روحه تطلع.. أرجوكِ، تعالي ولو لساعة واحدة.”
>
الورقة ما كانش محطوط عليها إمضا، بس مكنش محتاج. خط “زياد” كان معروف ومميز.
فضلت باصة للورقة دقايق كاملة، وذكريات اليوم ده رجعت قدامي شريط سريع: سفرة الفطار، الغرور اللي كان مالي عيونهم، القلم اللي نزل على خدي وافتكروا إني هعيط وأستسلم، لحد انهيار إمبراطوريتهم كاملة.
قمت من على مكتبي، لبست بليزر أنيق وشنطتي، ونزلت تحت في العربية بتاعتي. ما كنتش رايحة عشان أشفق عليهم، ولا كنت رايحة عشان أتشمت فيهم أكتر ما هما فيه؛ أنا كنت رايحة عشان أشوف بعيني نهاية الفصل الأخير من القصة دي، وأقفل الباب ده للأبد ومانتفتكرهمش تاني.
سقت لحد العنوان المكتوب في ضهر الورقة؛ شقة صغيرة ومتهالكة في دور أرضي بمنطقة شعبية قديمة وشوارعها ضيقة. ركنت العربية ونزلت، وخطوات كعبي كانت بتخبط على الأرض ببطء وثبات لحد ما وصلت للباب الخشبي القديم.
خبطت خبطتين خفاف. الباب اتفتح ببطء، وظهر قدامي “زياد”.
منظره كان يصعب على الكافر. شعره أبيض تماماً وكثيف، ووشه شاحب ومليان تجاعيد ظهرت فجأة من كتر الهم والقهر والقلق، وهدومه كانت بسيطة ومهدودة. أول ما شافني، عيونه اتملت بدموع الندم والعجز، ووطى راسه للأرض فوراً مقدرش يبص في عيني.




