
كنت بحس إني بكرر كلام ملوش معنى، وإن فيه حاجة غلط بتحصل، لكن مكنتش قادرة أفهم إيه هي.
وفي ليالي كتير، كنت ببقى منهارة من العياط، وأترجاه بصوت مكسور:
«أحمد، أرجوك كفاية! أنا مش عايزة أعمل كده تاني. تعبت، ومبقتش قادرة أستحمل.»
لكنه كان بيبدأ يعيط هو كمان، ويمسك إيديا بقوة، ويبصلي برجاء غريب، ويقولي:
«يا سارة، أرجوكي! قوليها مرة واحدة بس كمان… عشان خاطري.»
وكنت في الآخر بستسلم وبكرر الجملة، لمجرد إني أخلص من الموقف ده.
عمري ما فهمت هو ليه كان مُصر بالشكل ده، ولا ليه كان محتاج يسمع مني الكلام نفسه كل ليلة، لمدة 18 سنة كاملة.
إيه اللي ممكن يخلي راجل يطلب من مراته تكرر نفس الجملة كل يوم، وكأن حياته كلها متوقفة على سماعها؟
وليه كان بيتحول لشخص تاني كل ما أطلب منه نروح لدكتور؟
الأسئلة دي فضلت تطاردني سنين طويلة، لحد ما وصلت لمرحلة إني مبقتش قادرة أعيش وأنا مش عارفة الحقيقة.
وأخيرًا، قررت إني لازم أكتشف بنفسي إيه اللي بيحصل…….
دقات قلبي كانت بتدق بسرعة ورا بعضها وكأنها هتنطق من صدري، وأنا باصة للدكتورة اللي كانت واقفة قدامي، وشها باين عليه علامات صدمة حقيقية وممزوجة بخوف.
قربت مني أكتر، وقعدت على الكرسي اللي قصادي، ووطت صوتها وقالت لي بنبرة كلها حذر وجدية:
ـ «يا سارة… اسمعيني كويس وبكل تركيز، واللي هقوله ده مش هزّر فيه ولا تحتملي فيه أي غلط. إنتِ جسمك منفوخ وبطنك بالشكل ده مش عشان متجوزة من سنين ولا عشان سمنة عادية… إنتِ يا بنتي… إنتِ حامل في شهور متقدمة جداً!»
الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، والحيطان بتقرب على بعضها. فتحت عيوني على أخرها، وبصيت لها بذهول وتخبط، وخرجت الكلمات من بين شفايفي بصوت مرتعش ومهزوز:
ـ «حامل؟! إزاي… إزاي بتقولي كده؟! أنا… أنا بقالي 18 سنة متجوزة ومحصلش حمل خالص! والدكاترة زمان قالوا لي…»
قاطعتني الدكتورة بحزم وهي بتمسك إيدي اللي كانت بتترعش جامد:
ـ «زمان مين؟! إنتِ متأكدة إنك كشفتي عند دكتور حقيقي قبل كده؟ ولا جوزك هو اللي كان بيجيب لك أدوية معينة؟ أو بيمنعك تروحى لحد غيره؟»
سكتّ فجأة، والأفكار اللي كانت مقفولة على عقلي بدأت تتفكك واحدة ورا التانية. افتكرت… افتكرت إني طوال الـ 18 سنة اللي فاتوا، مروحتش لدكتور نسا وولادة أبدًا. كل ما كنت أشتكي، أحمد كان بيجيب لي فيتامينات أو مسكنات من الصيدلية، وكان بيقنعني إن دي “وصفة الدكتور الخاص بمهنته أو صديقه”، وكنت ببلعها من غير ما أشُك في لحظة واحدة!
كملت الدكتورة كلامها وهي بتفرك إيديها بقلق:
ـ «اللي بيحصل ده مش طبيعي يا سارة. جوزك كان بيخليكِ تقولي جملة معينة كل ليلة وتكرريها، وعقلك الباطن اتبرمج عليها، وده نوع من أنواع التنويم المغناطيسي أو الإيحاء النفسي والجسدي المستمر عشان يفضل مسيطر على إدراكك للحقيقة، ويقنعك إن العيب فيكِ وإن جسمك مستحيل يحمل، عشان تخضعي له تماماً وما تفكريش أبدًا تبحثي ورا الحقيقة!»
ـ «بس… بس بطني؟» ـ قطعت كلامها وأنا باصة لبطني بدموع مرعبة.
ـ «بطنك دي فيها جنين يا سارة… جنين عاش جوه جسمك رغم كل الظروف النفسية والجسدية اللي عيشتي فيها. بس الأغرب والأخطر من كده، واللي خلاني أقفل الباب بالمفتاح وأخاف عليكِ للدرجة دي… هو إشمعنى دلوقتي؟! إشمعنى جوزك سابك تحملي أو وصلك للمرحلة دي بعد السنين دي كلها؟ وليه ملامحه كانت بتدمر كل ما تجيبي سيرة الدكتور؟»
قبل ما ألحق أستوعب الكلام، ولسه الدموع نازلة بغزارة على خدودي وأنا بترعش من الخوف والذهول، سمعنا صوت خبط جامد ومرعب على باب العيادة من برا!
ـ «دكتورة…! دكتورة لو سمحتي افتحي، أنا جوزها أحمد، ومراتي جوه صار لها كتير! افتحي باب العيادة فوراً!»
صوت أحمد من برا كان حاد، وعالي، ومليان غضب وعصبية عمر ما سمعتها منه بالشكل ده قبل كده!
الدكتورة بصت لي ووشها أصفر تماماً، وقالت لي بصوت واطي وصارم وهي بتشاور لي على باب خلفي صغير جوه غرفة الكشف:
ـ «اسمعيني كويس يا سارة… جوزك مش راجل عادي، واللي بيدبره أكبر بكتير من مجرد جواز وعقم. الباب ده بيخرج على الشارع الخلفي للعيادة، عربيتك برا مستتيرة… خدي مفاتيحك واجري على أقرب قسم شرطة أو مكان آمن، ومترجعيش البيت ده أبداً لوحدك!»
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



