
أ مسكت الموبايل بهدوء، وحطيت القهوة الدافية على الترابيزة الصغيرة في أوضتي. صوت أحمد من الناحية التانية كان غريب تمامًا؛ نفس الرجل اللي كان بيتكلم معايا قبل 3 شهور بنبرة مدير صارم، ومقتنع إن العاطفة والظروف ملهاش مكان قدام “قوانين البيت”، كان دلوقتي بيبكي بصوت مكسور ومصحوب بصرخات نوال العالية في خلفية المكالمة.
رديت بصوت متزن وخالي من أي انفعال:
— خير يا أحمد؟ بتتصل ليه في وقت زي ده؟
جه صوت أحمد متقطع ومصحوب بشهقات بكاء:
— مريم… أرجوكي… أختي سلمى بتموت! إحنا في المستشفى من امبارح بالليل، النزيف مش راضي يقف ونسبة الهيموجلوبين نزلت للحضيض… الدكتور قال إنها محتاجة نقل دم ونقل بلازما طازجة فورًا خلال دقائق، وإلا قلبها هيقف…
سكت ثانية علشان يبتلع ريقه، وكمل برجاء ذليل:
— الدكتور قال إن فصيلتها نادرة جدًا، ومفيش أي كيس متوفر في بنك الدم في مصر كلها حاليًا… وقال إنك المتبرعة الوحيدة المسجلة في ملفها الممكن ينقذ حياتها… أرجوكي يا مريم، أنقذي سلمى… تعالي المستشفى فورًا، أنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها! أرجوكي يا مريم، أبوس إيدك ما تسيبنيش أكسر قلبي على أختي!
سمعت كلامه، وقعدت على الكرسي ببطء.
في الخلفية، صرخت نوال بصوت هستيري وهي بتاخد الموبايل من أحمد بالعافية:
— مريم! يا بنتي يا مريم! سامحيني يا بنتي… أنا جيت عليكي وظلمتك، حقك على راسي من فوق! تعالي انقذي أخت جوزك… تعالي ارجعي بيتك ومطرحك وكل قوانين الدنيا تحت رجليكي! بس تعالي سريعيًا قبل ما البنت تروح مننا!
غمضت عيني لحظة.
افتكرت الليلة اللي نزفت فيها من إيدي في طرقة نفس المستشفى…
افتكرت الورقة اللي اتطارت في وشي…
افتكرت الخصم، والتهميش، والطرد في منتصف الليل بشنطة هدومي وبس…
وافتكرت كمان إن سلمى ملهاش ذنب في كبرياء أخوها ولا قسوة أمها. سلمى كانت مجرد ضحية لبيت مبيعرفش يعيش إلا بالتحكم والقوانين الجافة.
فتحت عيني وقلت بصوت صارم:
— اسم المستشفى إيه؟
أحمد رد بسرعة ولهفة:
— مستشفى (…) الاستثماري في المهندسين! الطابق الأول، قسم الحالات الحرجة! أنا هبعتلك عربية تحت بيتك فورًا!
قلت ببرود:
— ما تبعتش حاجة. أنا جاية بعربيتي. نص ساعة وهأكون هناك. بس افتكر يا أحمد… أنا مش جاية عشانك، ولا عشان أمك، ولا عشان “أرجع بيتي”. أنا جاية عشان إنسانة بين الحياة والموت، والإنسانية مفيش فيها قوانين بيت ولا عقوبات.
قفلت الخط في وشهم من غير ما أسمع رد.
غيرت هدومي بسرعة، أخدت كارت الفحوصات والبطاقة، ونزلت شارع القاهرة الهادي في الفجر. أخدت عربية ووصلت المستشفى بعد 20 دقيقة بالضبط.
أول ما خطت رجلي في طرقة قسم الحالات الحرجة، شفتهم.
أحمد ونوال كانوا ملزوقين في حيطة الطرقة. نوال كانت قاعدة على الأرض وشعرها متبهدل وبتعيط، وأحمد وشه كان شاحب كأنه جثة، وهدومه مبهدلة، ومسكو الموبايل بإيد بتترعش.
أول ما أحمد شافني، جرى عليا بسرعة كأنه شاف طوق النجاة. كان هيلمس إيدي أو يمسكني من دراعي، بس أنا أخدت خطوة لورا ورفعت إيدي بمنع:
— بلاش قرب يا أحمد. الدكتور فين؟
أحمد وقف مكانه، عينيه مليانة دموع وندم، ونوال قامت بالعافية وجت ارتمت تحت رجلي بتبكي:
— الحمد لله إنك جيتي يا مريم! الحمد لله يا بنتي!
في اللحظة دي، خرج الدكتور الاستشاري من الغرفة. أول ما شافني، وشه اتغير وابتسم ببراحة:
— المدام مريم؟ الحمد لله إنك وصلتي! الحالة حرجة جدًا ومفاضلش وقت. جاهزة لتبرع سريح؟
هزيت راسي بثبات:
— جاهزة يا دكتور. اتفضل.
دخلت فورًا لغرفة التبرع. المعمل جهز الأدوات وسحبوا العينات، وبدأوا عملية سحب الدم والبلازما.
كنت مستلقية على السرير المخصص، وببص لكيس الدم وهو بيتملى ببطء للمرة التانية خلال 3 شهور. نفس الألم الخفيف في دراعي، ونفس الدوخة اللي بدأت تتسلل لدماغي. بس المرة دي… كان فيه شعور بالحرية المطلقة. أنا مش تحت سلطة حد، ولا بتبرع علشان أثبت لحد إني “زوجة صالحة”. أنا بتبرع لأن دي إرادتي الحرة.
بعد ساعة تقريبًا، خلصت عملية السحب والتجهيز، وأخدوا الدم والبلازما فورًا لغرفة سلمى.
الممرضة حطت لي قطنة وجبص على مكان الإبرة، وجابت لي كباية عصير برتقال.
سندت نفسي وقعدت، ولما حست إن الدوخة خفت، قمت وخرجت للطرقة.
أحمد ونوال كانوا واقفين مستنيين بره مع الدكتور.
الدكتور خرج بابتسامة طمأنينة وقالهم:
— النبض بدأ ينتظم، والنزيف الداخلي يتوقف بفضل نقل البلازما السريع. المريضة تجاوزت مرحلة الخطر تمامًا وهتنقل أوضة عادية الصبح. المدام مريم أنقذت حياتها للمرة التانية.
نوال سجدت على الأرض وهي بتبكي وتدعي.
وأحمد التفت ليا، وشخصيته القديمة كانت مدمرة تمامًا. قرب مني بخطوات بطيئة، وقال بصوت خافض ومليان ندم:
— مريم… أنا مش عارف أقولك إيه. أنا اكتشفت إني كنت أعشى وأعمى. القوانين والمبادئ اللي كنت فاكر إنها بتدير البيت، كانت بتدمر أعدل وأحن إنسانة في حياتي. أنا ظلمتك يا مريم… ارجعيلي، وأنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، وأمسح كل القوانين دي، وأعيش تحت رجليكي باقي عمري.
بصيت له بثبات.



