
ملامحه الهادية والنظيفة اللي كانت زمان بتبان لي عقلانية، بقت تبان لي دلوقتي مجرد قناع لغرور وأنانية حادة.
قلت له بصوت هادي وواضح، أسمع كل اللي واقفين في الطرقة:
— أحمد… أنت فاكر إن المشكلة كانت في “مصروف 6 شهور” أو في “تأخير العشا”؟
المشكلة كانت فيك أنت. أنت شخص بيقيس البني آدمين بالورق والبنوك والعقوبات. أنت حاطط لنفسك مكانة ربنا في البيت، وناسي إن الرحمة قبل العدل.
قربت منه خطوة واحدة وكملت:
— أنا لما تبرعت بدمي المرة الأولى، عملت ده بحب. ولما أنت رميت الورقة في وشي، أنت أخذت مني أخيرًا الحاجة اللي كانت تربطني بيك… إحساسي بالأمان. والنهارده، أنا تبرعت لسلمى لأنها إنسانة تستحق الحياة، مش عشان أشتري رضاك أو أرجع لسجنك.
نوال رفعت راسها وقالت وهي بتبكي:
— يا بنتي سامحينا! البيت من غيرك خراب! أحمد بقى عايش زي الغريب في بيته!
بصيت لنوال وقلت:
— سامحتكم لوجه الله يا طنط. بس المسافات اللي بيننا بقت أبعد من إنها تتصلح. أنا دلوقتي عندي حياتي، عندي شغلي، وعندي كرامتي اللي استرديتها.
سحبت شنطتي من على الكرسي، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش قادر يبص في عيني من الخزي:
— ورقة الطلاق الرسمية وصلتني من أسبوع يا أحمد. أنت من النهارده غريب عني. وسلّم لي على سلمى لما تفوق.
فتحت باب قسم الطوارئ وخرجت.
الهوا البارد بتاع الفجر خبط في وشي، بس المرة دي ما حسيتش ببرد. حسيت بدفء غريب مالك صدري.
الشمس كانت بدأت تشرق في أفق القاهرة، ونورها بيغطي الشوارع.
ضغطت بإيدي على مكان الإبرة في دراعي، وابتسمت ابتسامة حقيقية من القلب.
مشيت بثبات ناحية الشارع الرئيسي، وأنا عارفة إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد… وأن حياتي الحقيقية، المستقلة والحرّة، بدأت توها.
مرت ستة أشهر على ليلة المستشفى.
كانت الشمس تشرق على نافذة مكتبي الصغير في سنتر اللغات الجديد الذي افتتحته مع نهى. المكان كان يضج بصوت الأطفال والطلاب، وحياتي أصبحت أخيرًا تسير في مسار هادئ ومستقر. استرددت صحتي بالكامل، وبدأت أستعيد شغفي الشديد بالتدريس والعمل المجتمعي. لم أعد مريم الضعيفة التي تنتظر إحسانًا أو مصروفًا شهريًا يُحسم عند أول خطأ، بل أصبحت امرأة تدير عملها الناجح، وتملك قرارها، وتعيش بكرامتها.
وفي يوم سادن، وبينما كنت أنهي إحدى المحاضرات، دخلت نهى الأوضة ووجهها يحمل تعبيرًا مزيجًا من الدهشة والتردد.
— مريم… فيه حد بره مصمم يقابلك. ورافض يمشي قبل ما يشوفك.
طلعت للصالة الخارجية، وكانت المفاجأة.
لم يكن أحمد، ولا نوال… بل كانت سلمى.
كانت واقفة تتكئ على عصا خفيفة، وجهها ما زال يحمل أثر الشحوب، لكن عينيها كانتا مليئتين بالدموع. أول ما شافتني، سابت العصا وجت ناحيتي بخطوات سريعة وألقت بنفسها في حضني وهي تبكي بكسرة:
— مريم… أنا آسفة. أنا آسفة على كل حاجة عملوها فيكي وأنا مش دارية.
أخذتها من إيدها ودخلتها مكتبي، وجبت لها كباية عصير دافية. جلست سلمى تحكي لي بصوت يرتجف كيف اكتشفت الحقيقة كاملة بعد تعافيها.
— أنا لما فقت في المستشفى، وعرفت إنك اتبرعتِ لي بدمك للمرة التانية وأنقذتِ حياتي من الموت المحقق، بدأت أسأل. أمي وأحمد كانوا بيحاولوا يداروا، بس أنا أجبرت الدكتور والممرضات يحكوا لي إيه اللي حصل يوم الحادثة الأولى. ولما عرفت إن أحمد طردك وخصم منك المصروف ورمى الورقة في وشك بعد ما اتبرعتِ لي بـ 400 سي سي من دمك… أنا ما قعدتش في البيت ده ولا دقيقة.
سكتت سلمى لمسح دموعها، وكملت:
— أنا سبت البيت يا مريم. نقلت للعيش في سكن الطالبات القريب من جامعتي، ورفضت أخد منهم جنيه واحد. البيت هناك بقى عبارة عن جحيم. أحمد أتعزل عن العالم، مشروعه اللي كنتِ حاطة فيه تحويشة عمرك بيمر بأزمة مالية ضخمة جدًا وبيهدد بالإفلاس، وأمي صحتها اتدهورت وبقت تقضي اليوم كله بكاء وندم على اللي عملوه فيكي.
بصيت لها بهدوء وقلت:
— سلمى… أنا سامحت من زمان. بس أنا اخترت نفسي، والرجوع للماضي ده أصبح مستحيل.
سلمى مسكت إيدي بقوة وقالت:
— أنا مش جاية أترجاكي ترجعي لأحمد يا مريم… أحمد يستاهل اللي بيحصل له وزيادة. أنا جاية أقولك إن أحمد بيجهز لبيع الشقة والمشروع علشان يسدد ديونه، وهو بيمر بأزمة قانونية كبيرة بسبب شريكه الجديد. وأنا خايفة عليكي لأن فيه بند في ورق الطلاق اللي كتبتيه بإيدك ممكن يتسبب لك في مشكلة قانونية لو الشريك ده استغل أوراق المشروع القديمة!
عقدت حواجبي باستغراب:
— مشكلة قانونية؟ إزاي والأوراق القديمة كانت تثبت إني تنازلت عن حقي؟
ردت سلمى بجدية:
— أحمد في لحظة غضبه وشروده قبل شهور، ما سجلش تنازلك رسميًا في الشهر العقاري! والشريك الجديد اكتشف إن اسمك لسه مسجل كشريكة رئيسية بالنصف في المشروع، وحاليًا بيحاول يرفع قضية تزوير واستيلاء ضد أحمد وضدك أنتِ كمان بصفلتك الشريكة المسجلة!
في اللحظة دي، أدركت إن الماضي اللي افتكرت إني قفلت أبوابه للأبد… لسه بيطاردني من خلال القوانين والأوراق اللي كان أحمد بيفاخر بيها.




