روايات وقصص

حكايات زهره الربيع

صوت إنذار الجهاز جوة العناية المركزة كان بياكل في عقلي، والصافرة الممتدة كانت بتعلن إن قلب محمود وقف! الدكاترة والممرضين كانوا بيجروا زي المجانين، دخلوا جهاز الصدمات الكهربائية، وأنا واقفة ورا الإزاز الشفاف بشوف محمود، الراجل الطيب اللي عمري ما شفت منه غير الحنية والاحترام، وجسمه بيتتفض لفوق مع كل صدمة كهربائية والدكتور بصرخ: “اعلو بـ 200 جول!.. انزل بـ 300!”

 

مقالات ذات صلة

حماتي كانت برة بتلطم على وشها وبتبكي بدموع تحرق الحجر، وأبويا ماسك سبحته وإيده بتترعش، وأنا… أنا كنت واقفة حاسة إن الملك الموكل بـقبض الأرواح جاي ياخد روحي أنا. كنت بدعي ربنا دعاء واحد بس: “يا رب خذني أنا وسيبه هو، يا رب لو محمود مات بسببي أنا مش هقدر أعيش دقيقة واحدة!”

بعد نص ساعة من الرعب اللي يتكتب فيه كتب، طلع الدكتور المتابع وهو بيمسح عرقه، ونَفَسُه مقطوع. جرينا كلنا عليه، وبص لنا وقال بنبرة إرهاق: “الحمد لله… ضربات القلب رجعت تاني، قدرنا ننعشه في آخر لحظة. بس الحالة لسه حجة جداً، ودخل في غيبوبة كاملة نتيجة نقص الأكسجين عن المخ أثناء توقف القلب. الساعات الجاية هي اللي هتحدد هل هيستجيب للعلاج ولا لأ.”

الكلام نزل عليا زي الصخرة، بس على الأقل كان فيه رمق أمل… محمود لسه عايش!

لكن الكابوس التاني كان لسه بيبدأ. وأحنا واقفين في الممر، لقينا ظابط شرطة ومعاه أمين شرطة داخلين بخطوات ثقيلة. الظابط قرب مننا وبص للموجودين وقال بجدية: “مين أهل المريض محمود؟”

أبويا وأخويا قربوا منه، وأخويا قال: “أنا نسيبه يا فندم، وده والده ودي زوجته. خير يا باشا؟”

الظابط طلع أجندة صغيرة وبص فينا بتركيز، ونظراته استقرت عليا أنا بالذات وقال: “إحنا استلمنا بلاغ المستشفى بإصابة المريض بارتجاج وكسر في الجمجمة مع أزمة قلبية حادة. المعاينة المبدئية للبيت ورجال المباحث اللي نزلوا شقتكم فتحوا الباب وبصوا على مسرح الأحداث… لقوا آثار دم كتير، وترابيزة إزاز مكسورة، بس فيه حاجة غريبة!”

قلبي وقف، وجسمي كله أتصلب. الظابط كمل كلامه وهو بيحقق في وشي: “كاميرات العمارة اللي قدام باب العمارة بتاعتكم فرغناها مبدئياً. لقينا واحدة ست غريبة دخلت العمارة قبل الحادثة بنص ساعة، وبعدها بحوالي ربع ساعة حضرتك دخلتي العمارة وأنتِ شايلة ابنك. وبعدها بـ 10 دقايق، نفس الست الغريبة نزلت بتجري وهي منهارة ومستوردة وبتركب عربيتها وتطلع تجري! مين الست دي يا مدام؟ وإيه اللي جابها شقتكم في غيابك؟ وهل كان فيه مشاجرة جوة الشقة؟”

السؤال نزل عليا زي الصاعقة. أبويا وأخويا اتلفتوا لي بذهول وشك، وحماتي رفعت رأسها وبصتلي بنظرات كلها اتهام واندهاش!

أبويا قرب مني، ومسكني من كتفي بقوة وهزني: “ست مين دي يا ندى؟! مين اللي كانت في شقة جوزك وأنتِ مش موجودة؟! انطقي!”

اللسان اتعقد، والريق جف في بقي. كنت حاسة إن الحبل بيتلف حوالين رقبتي. لو قلت الحقيقة… لو قلت إنها صاحبتي وأنا اللي بعتاها عشان تعمل عليه تمثيلية خيانة عشان أطلق، أهلي هيتبروا مني، والناس هتتف في وشي، والقانون ممكن يتهمني بالمؤامرة  ! ولو كذبت وقلت ما أعرفهاش، التحريات هتجيب صاحبتي من بيتها، وبمكالمة واحدة وتفريغ الواتساب والرسائل اللي بيننا، كل حاجة هتتكشف قدام النيابة!

الدموع نزلت من عيني بغزارة، وبقيت أترعش وبصيت للظابط وقولت بصوت خافت ومقطوع: “دي… دي واحدة صاحبتي كانت جاية تديني حاجة…”

الظابط دقق فيا بذكاء وقال: “صاحبتك؟ وجاية تديكي حاجة وأنتِ مش في البيت ليه؟ وليه نزلت بتجري بانهيار كده قبل ما الإسعاف تيجي؟ وإيه اللي حصل بينها وبين جوزك جوة الشقة خلى جوزك تجيله أزمة قلبية ويقع يكسر الترابيزة؟”

أخويا هنا اتجنن، مسكني من إيدي بحدة وقال: “انطقي يا ندى! فيه إيه؟ أنتِ مخبية إيه علينا؟ الشقة كان فيها إيه?!”

أنا انهارت وسقطت على الأرض تحت رجلين أبويا، وأنا ببكي بهستيريا وبقول: “والله العظيم ما كنت أقصد! والله العظيم كنت فاكرة الموضوع هينتهي بعتاب أو طلاق عادي! أنا السبب… أنا اللي خربت بيتي بإيدي!”

أبويا مسكني من طرحتي ورفعني وقال بصوت زي الزئير: “يعني إيه؟! عملتي إيه يا فاجرة؟! اتكلمي!”

قبل ما أنطق بكلمة واحدة، تليفون الظابط رن. فتح الخط وسمع اللي بيتقال، ووشه اتغير تماماً وبصلي بنظرة صارمة جداً. قفل التليفون وقال بصوت جاف: “المباحث جابت بيانات الست اللي نزلت من العمارة من رقم عربيتها… اسمها (سارة)، وموجودة حالياً في قسم الشرطة بعد ما اتظبطت في بيتها وهي بتجهز شنطتها عشان تسافر برة مصر! وفي أقوالها المبدئية في القسم… قالت إن الزوجة هي اللي وزتها متفقين مع بعض على ملعوبة وتلفيق قضية آداب للزوج عشان تطلق منه!”

الهدوء ساد الممر لثواني… هدوء ، يرعب أي بشر.

أبويا بصلي بعيون كانت بتطلع شرار، ووشه بقى أحمر زي الدم. رفع إيده ولطمني على وشي قلم قسماً بالله حسيت إن دماغي طارت من مكانها، وأخويا  في إيدي تحت جزمة الناس لولا الممرضين وأمين الشرطة حجزوه بالعافية!

حماتي صرخت صرخة هزت أركان المستشفى كلها وقالت: “يا حسرتك يا ابني! يا خيبتك في مراتك اللي صنتها ورفعتها للسما! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة!!”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى